هذا القرآن الكريم وحي الله إلى بني البشر، وحي السماء إلى الأرض، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام كل ما قاله موضحًا لهذا الكتاب يُعَدُّ مصدرًا ثانيًا من مصادر التشريع، فهناك وحي متلو هو القرآن الكريم، ووحيٌّ غير متلو هو تشريع النبي عليه الصلاة والسلام، وإن ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام هو تبيّينٌ، وتفصيلٌ وتوضيحٌ لما جاء في كتاب الله، فلذلك كل من أراد أن يلغي سُنَّة رسول الله يقع في مطبٍِّ كبير، وهو يكذِّب القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم يقول:
{وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
وذكرت هذا قبل قليل أن خصوصية السبب لا تُلغي عموم الحكم، لعلَّ سياق هذه الآية: أن أيها الأنصار، أو أيها المهاجرون ..
{وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ}
من غنائم فخذوه، وما لم يؤتكم فلا تعترضوا على ذلك، إنه لا ينطق عن الهوى.
إن الأنبياء وحدهم يتحرَّكون وفق أمر الله لهم، حتى في تفاصيل سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما تحرَّك حركةً إلا بأمر الله، فلذلك هو في أقواله مشرِّع، وفي أفعاله مشرِّع، وفي إقراره مشرِّع، وفي أحواله مشرِّع ..
{وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}
ولكن إذا تجاوزنا موضوع الغنائم والفيء إلى ما هو أوسع؛ كل أقوال النبي تشريع، وكل نهي النبي تشريع، وكل إقرار النبي تشريع، وكل عدم إقرار النبي تشريع، وكل أحوال النبي تشريع، لذلك عَرَّفوا سنَّته بأنها: أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله ..
{وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}