كان النبي ينتقل من غزوةٍ إلى غزوة، ومن سريةٍ إلى سرية، ومن مشكلةٍ إلى مشكلة، من أجل أن يظهر صدق النبي وثباته، وأن تظهر محبته لله عزَّ وجل، معنى ذلك أن المؤمن إذا عانى من بعض المتاعب ممن حوله، أحيانًا من أسرته، من أولاده، ممن حوله، من جيرانه، هذه المتاعب مقدَّرة، لتظهر صدق إيمانه، ولتظهر ثباته على مبدئه، ولتظهر محبته لله ورسوله.
أيها الإخوة.
{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب}
أحيانًا تستمع إلى أقوياء وضعفاء، وأناس انتصروا، وأناس انهزموا، يجب أن تعلم علم اليقين أن الأمر بيد الله، هو مكَّن هؤلاء من هؤلاء، هو سلَّط هؤلاء على هؤلاء، هو قوَّى هؤلاء على هؤلاء، الأمر بيده، يقوِّي لحكمةٍ، ويضعِّف لحكمةٍ، وينصر لحكمة، ويقدِّر الهزيمة لحكمة، من أجل أن يكشف حقيقة عباده لأنفسهم ولمن حولهم، هو يعرفهم، فالأمر بيد الله، وهذا هو التوحيد.
الآية واضحة جدًا:
{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب}
بحسب القواعد الدنيوية بنو النضير لن يخرجوا من المدينة أبدا:
أحيانًا الإنسان بحسب القواعد، بحسب ما يبدو له من قوانين، يقول: فلان مستحيل أن يضعف، فإذا به يهوي كبيت العنكبوت، وهذه من آيات الله الدالة على عظمته، وقد قيل:"عرفت الله من نقض العزائم".
يبدو فيما يروي التاريخ أن بني النضير كانوا من أقوى الناس، لهم حصون منيعة، وأموال وفيرة، وبساتين غنَّاء، كل شيء بيدهم، ما كان يصدِّق المؤمنون، وما كان يخطر في بالهم أن هؤلاء يخرجون من حصونهم، ما كان المؤمنون ليصدِّقوا أن هؤلاء يخربون بيوتهم بأيديهم، هذه الآية مطمئنة فلا تخف إلا الله، وأقوى قوى الأرض بيد الله، أقوى الأقوياء في قبضة الله، فإذا كنت مع الله كان الله معك، وكنت أقوى من كل قوي، وإذا تخلَّى الله عنك تطاول عليك كل ضعيف من أجل أن تثق بوحدانية الله، وبقدرة الله، وبنصر الله.