وإن من بلاغة القرآن أن يكون الجزاء من جنس العمل، قال بعض العلماء في تفسير هذه الآية: يفسح الله لكم في قبوركم ويصبح القبر مدّ البصر، وقال بعضهم: يفسح الله لكم في مكانتكم يوم القيامة، وقال بعضهم: يفسح لكم في قلوبكم فيتجلى الله على هذا القلب؛ فإذا أنت أفسحت لأخيك كافأك الله عز وجل بما يتجلى به على قلبك من طمأنينة وسكينة، و هذا أعظم عطاء إلهي، ولكنه لا يعرفه إلا من ذاقه، فهناك فرق كبير بين أن يكون قلبك ممتلئًا بالسكينة التي أنزلها الله عليه، وبين أن يكون منقلبًا كئيبًا، وإن العالم الآن يعاني من كآبة ما بعدها كآبة، فحين آثر الناس أنفسهم ومصالحهم وذواتهم على إرضاء الله عز وجل ابتلاهم الله بالكآبة، أما إذا آثرت أخاك فسح الله لك قلبك وملأه نورًا وسكينة ً وتجليًا.
1 -المعنى الأول: أن الله يفسح لكم في قبوركم حيث يغدو القبر روضة من رياض الجنة.
2 -المعنى الثاني: يفسح الله لكم في قلوبكم فتغدو مهبطًا لنور الله وتجلياته وسكينته، وإن في القلب شيئًا ثمينًا جدًا لا يعرفه إلا المؤمن، فقد تملك المال الوفير، والبيت الجميل والمركبة الفارهة، لكن الانقباض يعصر قلبك، وهذا ما قال عنه الله عز وجل:
{و مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}
(سورة طه 124)
وقد يقول قائل: فما بال الملوك والأغنياء؟ أية معيشة ضنك يعيشونها؟ إن المال كله بأيديهم، فلهم أن يأكلوا ما يشاؤون، وأن يسكنوا في أي مكان يشاؤون، وقد فسر العلماء المعيشة الضنك التي يبتلي الله بها الأغنياء والملوك بضيق القلب، فالمعرضون عن الله لهم في قلوبهم من الضيق ما لو وزع على أهل بلدة لكفاهم، هذا معنى قول الله تعالى: