وهذا الحديث يمثل نظام مجلس العلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن هناك توجيهًا نبويًا في حديث آخر يقول:"لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ"، فلا يجوز للمؤمن أن يومئ إلى إنسان ليقوم من مجلسه ويجلس فيه، لأن المؤمنين عند الله سواسية، و مقامك ليس في مكانك بل في مكانتك، وقد نهى النبي في أحاديث كثيرة جدًا بلغت درجة التواتر إلى عدم جواز قيام الرجل للرجل من مجلسه ليجلس فيه، فلا ينبغي للقادم الجديد أن يقيم أحد من مجلسه ليجلس فيه، لكن هذا الشأن مختلف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام طلب من أحد أصحابه _لمصلحة راجحة وحكمة بالغة_ أن يقوم من مجلسه، لوجب على هذا الصحابي أن يبادر إلى طاعة رسول الله.
و إذا قام الإنسان طواعية من نفسه كان ذلك جائزًا، فقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه يجلس إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، فيدخل سيدنا الصديق وهو صاحب رسول الله و سيد أصحابه، فما كان من سيدنا علي كرم الله وجهه إلا أن يقوم من مجلسه إكرامًا لسيدنا الصديق ثم يجلسه مكانه، فإذا بادرت بالقيام لأخ كريم كبير في السن أو لإنسان يتفوق عليك بالعلم تكريمًا له لما يحمل من علم، أو لحافظ كتاب الله، أو لمن له فضل عليك، كان هذا من أدبك وعلمك و فقهك و كمالك، أما أن تقيم أحدًا من مكانه لتجلس فيه، فهذا مما نهى عنه النبي أشد النهي، فهناك فرق كبير بين أن يقوم أحدهم لك إكرامًا لعلمك أو مكانتك أو سنك، وبين أن تقيم أحدًا لتجلس مكانه، فهذا مما نهى عنه النبي أشد النهي.