ولعل النبي عليه الصلاة والسلام قد استنبط هذا المعنى الدقيق في حديثه السابق من هذه الآية، فكلام الإنسان من عمله، وإذا عدّ الإنسان كلامه من عمله استقام على أمر الله وضبط لسانه، ومن صفات المؤمن ضبط اللسان، فهو يفكر مليًا قبل أن يتكلم.
كان عمر بن الخطاب _ وهو عملاق الإسلام _ يتمنى لو أن له رقبة كرقبة الجمل، لأنه يفكر بالكلمة مليًا قبل أن يلقيها، فقد يكون هناك كلمة تفرق بين زوجين أو شريكين، أو بين أم وابنها، فالشر كله كلمات تلقى.
نجوى المنافقين:
ثم يقول الله عز وجل:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى}
و يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد نهى المنافقين عن هذه اللقاءات الجانبية والمؤامرات الخفية و الدسائس و العمل الخسيس الذي لا يُرضي الله، لأن الإنسان الواضح يعمل تحت ضوء الشمس أما الإنسان غير المستقيم فهو يعمل في الظلام بعيدًا عن الظهور.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى}
لقد كان هؤلاء المنافقون الذين يجلسون مع اليهود ويتآمرون على النبي صلى الله عليه وسلم يظهرون أمام النبي الولاء، ويبطنون له العداء، ويظهرون هذا العداء أمام اليهود عندما يختلون، فهم أصحاب موقف ازدواجي، والمنافق _كما قلت في درس سابق_ هو شخص قَبِل انفصام الشخصية، فهو يتقن أدوارًا متباينة، فيتقن دور المؤمن المسلم المعظم للنبي صلى الله عليه وسلم، كما يتقن دور الكافر العدو اللئيم، فإذا التقى بالنبي عليه الصلاة والسلام أظهر له الولاء وإذا خلا بمن معه أظهر العداء، و هذا شأن المنافق.
نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم تشريعٌ:
قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ}
وهذه الآية تعني نهي النبي تشريع، و أذكر مرة أن امرأة ضاقت ذرعًا بزوجها فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادت أن تخلعه، فقال عليه الصلاة والسلام لها: