قال لي أحد الأصدقاء أنه كان قد وضع جهاز (الأنترفون) في بيته بين غرفة الضيوف والمطبخ، و زاره يومًا بعض الضيوف، وأطالوا الجلوس، وكان هذا الجهاز مفتوحًا وهو لا يشعر، فدخل إلى المطبخ وقال لزوجته: هؤلاء الثقلاء لم يذهبوا إلى الآن، فماذا حصل بعدها؟ قال: لقد بقيت سنوات وأنا أخجل أن أنظر إليهم، لأن هذا الكلام نقل إليهم عبر هذا الجهاز، فقد يتكلم الإنسان أحيانًا بكلمة شائنة أو قذرة أو فيها خسة نفس أو مؤامرة أو عدوان، فما هو موقف الإنسان يوم القيامة إذا أعلنت هذه الكلمة على رؤوس الأشهاد؟ هذه هي الفضيحة الحقة.
وضوح المؤمن:
إن من عظمة إيمان المؤمن أن يكون سرّه كعلانيته وعلانيته كسرّه، وأن تكون خلوته كجلوته وبالعكس، قال عليه الصلاة والسلام:
(( تركتكم على بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا ضال ) )
فالمؤمن واضح ليس عنده أسرار أو شيء لا يقال، و ليس عنده موقف حقيقي وموقف معلن، فليس ثمة شيء يفعله في السرّ و يستحيي أن يفعله في العلن، فأموره واضحة لأنه يطبق منهج الله، فهو يسمح بكل ما سمح الله به و لا يستحيي منه، فالله تعالى سمح بالزواج مثلًا، فترى الناس يطلقون أبواق السيارات يوم العرس، وهم لا يستحون من ذلك لأنه شيء مسموح به، كما أن لمؤمن يحرم ما حرمه الله تعالى، و إن أجمل ما في المؤمن هو الوضوح، أما غير المؤمن فهو مخيف، لأن مظهره غير مخبره، و ظاهره غير علانيته، كما أن باطنه غير سريرته، فهو يقول شيئًا أما بعض الناس، ثم يغيره أمام آخرين، قال تعالى:
{وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}
(سورة البقرة)