فالقلب الذي هو مركز النَّفس إما أن يكون موصولًا أو أن يكون مقطوعًا، فإذا كان موصولًا كانت هناك رحمة، أما إذا كان مقطوعًا كانت القَسْوَة، وأنت بين هاتين الدرجتين؛ فإما أن تنْطَوِيَ على قلبٍ موصول بالله تعالى ومفعمٍ بالرَّحمة، أو أن تنْطَوِي على قلبٍ مقطوع من الله تعالى موصومٍ بالقسْوة، فيخرجُ من هذا الإنسان كل الخير بِسَبب قلبه المملوء بالرحمة، كما تصدر عنه كلّ الشرور والآثام بِسَبب القَسْوة التي في قلبه، قال تعالى:
"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) "
(سورة آل عمران)
و معنى ذلك أنَّ الإنسان حينما يتَّصِل بالله يمتلأُ قلبهُ رحمةً ويُلْهمُ الحِكمة والرَّحمة واللُّطْف والأدَب والخَشْيَة والإنفاق، ويلتفّ الناس حوله، فإذا ابْتعَد عن الله عز وجل وقسا قلبُهُ انفضُّ الناس من حوله، فاللُّيونة سببها الرحمة! فلو كان للإيمان مؤشّر لكانت الرَّحمة مؤشِّرًا له، و لو كان للشر مؤشر لكانت القسْوة مؤشِّرًا عليه! و المسلم مُعرَّض لِمَرضٍ خطير أصاب أهل الكتاب، وهو أن تغْدو عباداته طُقوسًا، ويغْدو الكتاب المنزّل عنده كلامًا أجْوفَ من المضمون، يقرؤُهُ فلا يتأثَّر، ثم يعبد عن الله فلا يتأثَّر، فقد قسا قلبهُ وجوارحه، وطال عليه الأمد ....
يحيي الأرض بعد موتها:
أيها الإخوة الكرام: لكي لا يقع الإنسان في اليأس، وحتى لا يسْتغلّ الشيطان هذه الحالة المَرَضِيَّة التي تُصيبُ المؤمن أحيانًا، يقول الله جلَّ جلاله:
{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}