أيها الإخوة الكرام، لو تدبَّرنا هذه الآية وحدها، لَنِدْمنا أشدّ ندمٍ على كلّ ساعة مرَّت دون عمل صالح، لأنَّ كلّ عمل مهما كان صغيرًا مُسَجَّل عند الله، قال تعالى:
"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8) ".
[سورة الزلزلة]
فمهما بدا لك العمل قليلًا فهو عند الله كثير، فلو أنَّك أكرمْتَ شيخًا لأكرمك الله على فعلك هذا، يقال:"ما أكرم أحد شيخًا لِكِبر سِنِّه إلا سخَّر الله له من يخدُمُه عند كبرِه!"ولو كنتَ ولدًا بارًّا لكافأك الله في الدنيا والآخرة بأولادٍ أبرار، ولو أطعمت الفقير لصانَ الله وجْهك عن أن تسأل أحدًا مِن خلقِه، فاللهمّ صُن وجوهنا باليَسار ولا تبْذِلها بالإقتار.
أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ}
فأيّ إنسانٍ طرَقَ باب المؤمن أو دخل مَحَلِّه، وسألهُ حاجةً وهو صادق، وكان المؤمن قادِرًا على أن يعْطِيَهُ فأعطاه، كان عمله هذا قرْضًا لله تعالى على وجه اليقين، فإذا بَخِل الإنسان كان هذا مُنتهى الحُمق والغباء، لأن معنى فعله هو: أنّ الله يسألَه قرضًا حسنًا فيبْخَل، قال تعالى:
"و مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ".
(سورة محمد)
وقد فَهِم اليهود هذه الآية فهْمًا معكوسًا، فقالوا: إذا كان الله يقترض من عباده فهو فقير إذًا! قال تعالى:
"لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ".
[سورة آل عمران]
فهو تعالى ما طلب القرض إلا لِيُكافِئنا به.