إنك لا ترضى عنه إلا إذا عرفْت كمالهُ وحِكمَتَهُ، فالإنسان أحيانًا قد تُلِمُّ المشكلة به؛ فيتألق من خلال هذه المشكلة، وقد قال العلماء: الحُزن خلاَّق! فالرَّخاء والنَّعيم والبَحبوحة والمال المتوافر لا يصْنعُ وطنًا، بل يصنع ُإنسانًا متكبِّرًا تافهًا، ولكنَّ الفقْر أحيانًا يصنعُ المبادئ والقِيَم، فيتألَّق الإنسان من خِلال هذه المشاكل والمتاعب، بل إنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم أشدّ الناس بلاءً، والنبي عليه الصلاة والسلام أشدُّ الأنبياء بلاءً، والبلاء الذي يُصيب الأنبياء إنها يكون من أجل أن يصدِر كمالهم، فهناك كمال لا يبدو في الأحوال العاديَّة، فلو أننا رأينا زوجين متفاهمين ومخلصين، فنحن لا ندري هل إخلاص هذا الزَّوج لِزَوجته، بسبب كون زوجته في مستوى طُموحه وبسبب الخدمات الكبيرة التي تقدمها له، لا ندري! أما حينما تمْرض مرضًا طويل الأمد فلا يتأفَّف الزوج بل يعكِفُ على خِدمتها ويرْعى أولاده دون تبرّم عندئذٍ نقول: هذا زوجٌ مخلص، فالذي أظهر إخلاصه هو مرض زوْجته فلو لم تمرض لما ظهر إخلاصه، فبدا كأنَّه زوجٌ أنانيّ، يحبها لأنَّه تحقّق له مطالبه، أما حينما يعتني بها عند المرض يظهر كماله، وإخلاصه، فمعنى ذلك أنَّ الإنسان قد لا يتألّق ولا يظهر كماله ولا حقيقة محبَّتِه ولا شوْقِهِ إلا بالشَّدائد، فالشدائد مِحَكُّ الرِّجال، والإنسان لا ينكشف على حقيقته إلا عند الشِّدّة، فلذلك كان الله تعالى يُحيي ويُميت، ويبسُط الرِّزق لمن يشاء ويقدر، فأنت قد تصْحب إنسانًا قويًّا في نظر الناس، ثم تستعين به في ِقَضيَّة ما فيقول لك: هذا فوق طاقتي! فقُدرته محدودة، فيكون قد خيَّب ظنَّك، أما إذا كنت مع الله عز وجل فهو على كلّ شيٍ قدير، وهناك قِصص لولا أنَّها وقَعَت وأني أعرف أشْخاصها لصَعُبَ عليّ تصديقها، فهذا مريض فُحِص من طرف خمسة أطباء بريطانيِّين فقالوا له: إنَّ السرطان في درجته الخامسة، ولا سبيل للشِّفاء،