لو وقفت نملة في جبال همالايا، فهي بحجمها الصغير وبإدراكها الذي لا يزيد عن سنتمترات، لا يمكن لها أن تُحيط بِوَزن هذا الجبل وعُمقِهِ في الأرض، وِحَجم كُتلته وارتفاعه وخصائصه، هذا مستحيل، والإنسان إذا آمَنَ أنَّ قدراته محدودة عرف الله تعالى، وقد قال أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه كلمة رائِعة، وهي: (العَجْز عن الإدراك إدراك!) فإن وقفْت على ساحل البحر المتوسِّط وسألك سائلٌ، كم يحوي هذا البحر من لِتر؟ وأجبْتَهُ بِرَقم!! لكان هذا دليل الجهل، أما إن قلتَ: لا أدري، فهذا دليل العِلم، فيجب عليك أن تؤمن أنَّ العقل هو أعظم شيءٍ خلقهُ الله، وأن الإنسان أعْقد مَخلوق على وجْه الأرض، وأعْقدُ ما فيه عَقْلُهُ، وأن العَقل له مهمَّة محدودة، فالله تعالى أعطاك عقلًا يؤدِّي مهمَّته على أتمّ وجه، فيجب أن تستعمله كما أراد الله، أما لو أردْتَ أن تعرف بهذا العقل ذات الله تعالى لهَلَكْتَ، لأنَّك تكون قد اسْتَعملتَهُ لِغَير ما صُنِعَ له، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:"تفكَّروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا"، لأنَّ هذا شيءٌ فوق طاقتك، و سأضربُ لكم بعض الأمثلة على ذلك؛ لو فرضنا أن هناك بقالية فيها عشرة آلاف صِنف، و أن أقلّ وزن فيها خمسون غرامًا، وأعلى وزن خمسة كيلو غرامات، وكان لديك ميزان حساس، إن اسْتعملته بين الغرام وخمسة كيلو الغرام أعطاك وزنًا دقيقًا ومُذْهلًا، فإن وزنت به سيَّارة انكسر، فلا تقل: هذا الميزان سئّ، ولكن قل: طريقة الاستخدام هي السيئة، فأنت حينما تأخذ قضيَّة متعلِّقة بِذات الله ثم تريد أن تفْهمها بِعَقلِك، نقول لك: لا، فالشيء الذي يعْجزُ عقلك عنه أخبرك الله به، وسوء استخدام العقل ينتج عنه الخطأ، و مُفادُ قولي أنه لا ينبغي أن تأخذ قضيَّة إخباريَّة وتُحكِّم عقْلك فيها، فما أخبرَكَ الله به حكَمٌ على عقلك، وليس عقْلُكَ حكمًا عليه. قال تعالى: