فهذا الكِتابٍ من عند خالق الكون، والله عز وجل لم يترك قضيَّة تزيدك قربًا منه - مهما بَدَت لك صغيرة - إلا أمرك بها، كما أنه لم يترك قضيَّة تُبعِدُك عنه - مهما بَدَت صغيرة - إلا نهاك عنها، والأمر والنهي إما في كتاب الله، أوفي بيان كتاب الله وهو سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل هو بالنسبة لنا كلّ شيء، والقرب منه هو الفوز العظيم، والبعْد عنه هو الهلاك الحقيقيّ، لذلك وجب عليك أن تعرفَهُ، ومعرفته تأتي إما من خِلال خلقه جميعًا، أو من خلال أفعاله، أو من خلال كلامه.
التسبيح:
قال تعالى:
"وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) ".
[سورة الإسراء]
يقول بعض العلماء: إنَّ هذا التَّسبيح تسبيح دلالة، فالقِطعة المتقنَة لِسانُ حالها ينبئ أنَّ صانعها عليم، وأنَّ صاحبها على مستوى عالٍ من الذَّوق، لكنَّ الله سبحانه وتعالى أثبَتَ لِخَلقِهِ جميعًا تَسبيحَين؛ تسبيح الدلالة، وتسبيح القول، والدليل القطعي على ذلك قوله تعالى:
"و َإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ".
[سورة الإسراء]
فهذا دليل على أنّ التسبيح تسبيح قول، فإذا كان كلّ خَلْق الله تعالى مِن جمادٍ وحيوان ونبات يُسَبِّح الله تسبيحَ قَوْل، فما أشدَّ خسارة الإنسان حينما يغْفَلُ عن الواحد الدَّيان، ويكتشف أنَّه هو المخلوق الأوَّل المكرَّم، ثم يهبَط بعد ذلك بِغَفْلَتِهِ إلى أدْنى المخلوقات.
أيها الإخوة: إنّ الإنسان بِإمكانه أن يفوق الملائكة المقرَّبين بطاعته، أما إن خانَ أمانتهُ، ونسيَ عهْدَهُ والتكليف الذي جاء مِن أجْلِهِ، وغَفَل عن ربِّه، وأساء إلى خلْقِهِ، فإنه لا يهْبِطُ إلى أحْقر الحيوانات وحسب، بل يهبط إلى أسفل سافلين، والدليل قوله تعالى: