مثلًا: جامعة لك أن تدخلها مجانًا وأنْ تنال وأنت طالبٌ فيها مرتبًا خياليًا، وأنْ تتلقى مسكنًا فخمًا، ومركبة فارهة، ومنصبًا رفيعًا، ودرجةً علميةً، كلُّ هذا إذا اعترفت بوجود هذه الجامعة ودخلت إلى رحابها، وتلقيت العلم فيها، فكانت هذه الجامعة مثلًا سبب سعادتك كلها في الدنيا، أمَّا إذا أنكرت أن تكون هذه الجامعة معطاءة، أنكرت أنْ يكون فيها علم، أنكرت أن ينال فيها الإنسان ثمرةً، إنكارك لهذا العطاء منعك من نيله، الكافر مسكين، هو في الأصل خُلِقَ ليرحمه الله، نصيبه من الله أنَّه كذب بالله، كذَّب بوجوده (الإلحاد) أو كذب بأسمائه، أو كذب برحمته، أو بعدالته، أو بمنهجه، أو كذب برسوله، أو كذب بأحقية كتابه، أو كذب بالآخرة، أو كذَّب بقضائه وقدره، وتجعلون نصيبكم من الله أنَّكم كذَّبتم به، أي حرمتم أنفسكم نصيبكم العظيم لأنكم كذَّبتم به.
أيها الأخوة: مسكين هذا الذي جاء الدنيا وغادرها ولم يذق أطيب ما فيها، إنَّها معرفة الله، مسكين هذا الذي أتى إلى الدنيا وغادرها ولم يتعرف إلى أولياء الله، لم يتعرف إلى منهج الله، لم يتعرف إلى سعادة سببها الاتصال بالله، لم يتعرف إلى أجمل ما في الحياة الدنيا: العمل الصالح، لم يتعرف إلى سرِّ وجوده، لم يتعرف إلى غاية وجوده:
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}
ابن عباس رضي الله عنه قال: تجعلون رزقكم أي شكركم، أي بدل أن تشكروا فيأتيكم الرزق من كل جانب، كذبتم وكفرتم فحرمتم، هؤلاء في الدنيا كذبوا في هذا الدين، كذبوا هذا القرآن، كذبوا ذاك المنهج، كذبوا أحقية الدين، ماذا هم صانعون إذا جاء ملك الموت؟
الآن دققوا أيها الأخوة:
{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ}