انصرف إلى الدنيا، إلى المعصية، لم يعبأ بالتوحيد، لم يطلب العلم، أراد الشهوة، الآن، سمح الله له أن يحقق رغبته، سماح الله له أن يحقق رغبته هو الزيغ الذي جاء في هذه الآية، أقوى دليل:
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
وقس على هذا كل شيء، قس على هذا إذا وجدت في القرآن آيةً يُشَمُّ منها أن الله يضل العباد، إذا قلت: إن الله يضلهم، أي ذاك الضلال الجزائي، المبني على ضلال اختياري، أنت مخير، وفي اللحظة التي تفقد فيها اختيارك تلغى هويتك، وتلغى الأمانة، ويلغى التكليف، وتلغى المسؤولية، ويلغى الثواب، ويلغى العقاب، وتلغى الجنَّة، وتلغى النار، لمجرَّد أن تفقد اختيارك، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملًا لكان عجزًا في القدرة، إن الله أمر عباده تخييرًا، ونهاهم تحذيرًا، وكلَّف تسيرًا، ولم يكلف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، ولم يُعْصَ مغلوبًا، ولم يُطَعْ مُكرهًا.
إذًا:
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
هذه الإزاغة الجزائية، التي هي في حقيقتها سماح الله لك أن تفعل ما أردت، فأنت مخير.
مثل أوضح، أنت صيدلي، وبحاجة إلى موظف يعينك في فتح الصيدلية، هذا الموظف يجب أن يكون على علمٍ بالأدوية وخصائصها، أعلنت عن مسابقةٍ، وجاءك عدد من المرشحين لهذه الوظيفة، الآن تمتحن أحدهم؛ وضعت له مجموعة أدوية على الطاولة، قلت له: وزِّع هذه الأدوية وفق أنواعها؛ السموم، والفيتامينات، والمسكنات .. إلخ، أنت الآن تمتحنه، فأمسك هذا المرشح للوظيفة علبة دواء سموم، واتجه إلى خزانة الفيتامينات، لو أنك منعته ما فحصته، ينبغي أن تسمح له أن يذهب حيث يشاء، هو في طور امتحان، أنت الآن تمتحن علمه، أمسك علبة دواء سموم، واتجه بها إلى خزانة الفيتامينات، سماحك له هو إزاغتك ..