لأن هناك موتًا وبعثًا ونشورًا وحسابًا وجنةً ونارًا، وإلهًا يحصي على عباده كل حركاتهم وسكناتهم، إذًا العاقل هو المستقيم، العاقل هو الذي يكسب المال الحلال، العاقل هو الذي يمضي وقته في طاعة الله، في معرفة الله، في خدمة الخلق، في التقرُّب إلى الحق، هذا هو العاقل، لذلك قال العلماء: ما كل ذكيٍ بعاقل. قد تجد إنسانًا أوتي قدرةً فكريةً فائقة تفوَّق بها في دراسته أو في جمع المال، أو تفوَّق بها فوصل إلى منصبٍ رفيع، ولكنه إن لم يعرف ربه، وإن لم يعرف أن هناك آخرةً بعد الدنيا وأن هناك حياةً أبديةً سرمديةً بعد الحياة الدنيا، وإن لم يستعد لهذه الحياة، وإن لم يستعد للحدث الذي لا بدَّ منه، ألا وهو الموت فليس بعاقل لذلك قال تعالى:
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ}
)سورة القلم (
رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا مجنونًا، فسأل سؤال العارف:"من هذا؟ قالوا: هو مجنون، قال: لا، إنه مبتلى، المجنون من عصى الله".. هذا هو المجنون لذلك:"أرجحكم عقلًا أشدكم لله حبًا".
كلما نما عقل الإنسان اختار الله على خلقه، واختار ما عنده على ما عند خلقه، واختار الحياة الأبدية على الحياة الدنيا العابرة، ما هذه الحياة الدنيا؟ إن كل مكتسباتك فيها منوطةٌ بضربات القلب، إن كل مكتسباتك فيها منوطةٌ بسيولة الدم، نقطةُ دمٍ إذا تجمَّدت في رأس أي إنسان كائنًا من كان ولو كان ملكًا يفقد منصبه، أليس كذلك؟ الله جلَّ جلاله هو مالك المُلك، ولا أحد يملك شيئًا في حياته، إذًا الآية الكريمة:
{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ}