فنحن في دار عمل، والآخرة دار حساب، نحن في دار تكليف، والآخرة دار تشريف، نحن في دار هدنةٍ، الأمور كلها مجمَّدة، كالعام الدراسي كل الطلاب يدخلون إلى المدرسة، ويجلسون على مقاعد الدرس ويستمعون إلى المدرس، لكن الذي يدرس يجد هذا يوم الامتحان، والذي لا يدرس يجد هذا يوم الامتحان، الامتحان فرز للمجتهد والمقصِّر، والنتائج إعلان هؤلاء هم الناجحون وهؤلاء هم الراسبون، أما العام الدراسي هُدنة، كلهم طلاب عند الناس، كلهم يرتدون زيًا واحدًا، كلهم يستمعون إلى محاضراتٍ واحدة، يتلقَّون عنايةً واحدة، يستخدمون أدواتٍ واحدة، لكن شتَّانَ بين الطالب المجتهد والطالب الكسول، هذا سوف يكَّرم وهذا سوف يخزى.
إذًا: لا يغتر الإنسان إنه في صحة، هو في بحبوحة، له مكانة، له منصب رفيع، له شأن بين أسرته، هذا كله مؤقت، لكن الغنى والفقر بعد العرض على الله.
{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ}
من أشد آيات الوعيد وبعضهم قال: هي من آيات الوعيد وآيات الوَعد، ولا يخفى عليكم أن الوعد للخير، والوعيد للعقاب، قال علماء التفسير: هذه الآية آية وعدٍ ووعيد، فالذي جاء إلى الدنيا وتعرَّف إلى الله، وتعرَّف إلى منهج الله، وطلب العلم، واختار امرأةً صالحة، وربَّى بناته على طاعة الله، ونَشَّأ أولاده تنشئةً إسلاميةً طيَّبة، وكسب المال الحلال وأنفقه في طاعة الله، هذا الذي عرف الله واستقام على أمره وأحسن لخلقه وتقرَّب إليه، هذا إذا فرغ الله له ليحاسبه ماذا يفعل به؟ يدخله الجنة، إذًا هذه آية وعدٍ ووعيد، أي أنه حينما يقرع جرس الامتحان الطالب المجتهد الذي أمضى العام الدراسي كله في دراسةٍ دؤوبة يرقص قلبه فرحًا، لماذا؟ كل هذا التعب وكل هذا الجهد سوف يأخذ نتائجه الآن، سيكتُب، سيجيب، فهذه الآية ليست آية وعيدٍ فحسب بل هي آية وعدٍ ووعيد.
محاسبة الخلق و تسوية الحساب يدعو العاقل إلى التفكر: