لو أن الإنسان حاسب نفسه كل يوم مساءً، ماذا فعلت من عملٍ ينفعني بعد الموت؟ ماذا فعلت من عملٍ ينفعني في الدنيا؟ فالإنسان في حركة دائمة، يتحرَّك دائمًا لكسب المال، لتحقيق مصالحه في الدنيا، ولكن السؤال المُحْرِج هذا اليوم قد انقضى قبل أن ينام: ماذا فعلت فيه من عملٍ ينفعني بعد الموت؟ هل طلبت علمًا؟ هل علَّمت علمًا؟ هل أمرت بمعروف؟ هل نهيت عن منكر؟ هل قرأت القرآن؟ هل ذكرت الواحد الديَّان؟ هل نصحت مسلمًاُ؟ هل أعنت فقيرًا؟ هل عُدت مريضًا؟ هل شَيَّعت جنازةً؟ هل مسحت رأس يتيم؟ هل اعتنيت بامرأةٍ أرملةٍ من أقربائك من محارمك، اعتنيت بها، أمَّنت لها حاجاتها؟ ماذا فعلت من عملٍ ينفعك بعد الموت؟
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}
توجد ملاحظة ثالثة أيها الأخوة: المعاصي إذا توهَّم المتوهِّمون أن لها لذائذ فإن هذه اللذائذ تنقضي وتبقى المسؤولية.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}
والطاعات إن كانت ذات كُلفة وذات مشقَّة تنقضي المشقَّة ويبقى الأجر والثواب، تمامًا كما لو أن طالبين أحدهما أمضى العام الدراسي مع أصدقائه وفي نزهاتٍ وفي سهراتٍ باطلةٍ، ثم جاء الامتحان، والثاني أمضى العام الدراسي في جِدٍ وتعبٍ واجتهاد وسهرٍ وكَد، الامتحان هو الفيصل الذي نجح بتفوق ينسى كل أتعابه وتبقى لذَّة الفوز، والذي رسب ينسى كل لذائذه ويبقى خزيّ الرسوب.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}
الفناء يسوِّي بين الناس.
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}
الفناء سببٌ لنقلة الإنسان من دار الفناء إلى دار البقاء، فالإنسان أحيانًا يكون ساكنًا في بيت صغير قميء مظلم، متألمِّ أشد الألم، ضيِّق، فجأةً لسببٍ أو لآخر ينتقل لبيتٍ واسع مشرف له إطلالة وفيه كل حاجات الإنسان.