فالإنسان لو أنه لم يكن مستقيمًا، وكان حكيمًا، وذكيًا، وعاقلًا، وسد الثغرات، وأخذ كل الاحتياطات، وتوقَّع كل الاحتمالات، وأخذ بكل الأسباب، فالله جلَّ جلاله يؤدبه من الجهة التي اطمأن إليها، ومن الجهة التي أغلقها، واعتمد عليها، ومن مكانٍ لا يتوقَّعه، فما الذي ينفعك؟ لا ينفعك حذرك، بل تنفعك استقامتك (دقق في هذا الكلام) . لا ينفعك ذكاؤك ولا مالك، ولا حذرك، ولا أن تأخذ بالأسباب، ولا أن تسد الثغرات، ولا أن تتوقَّع الاحتمالات، ولا أن تغطي المُشكلات، فلا ينفعك إلا أن تطيعه، فإن أطعته طمأنك، وحماك، وحفظك، وأيَّدك، ونصرك.
الاعتماد على الأسباب وحدها توقع الإنسان بالعذاب الأليم:
الآن: الإنسان أحيانًا يكون غارقًا في المعاصي ولكن يقول: هذه القضية أغلقتها، وهذه القضية أخذت الحيطة منها، لا، لا ينفع حذرٌ من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل، فلا يمنعك من الله إلا أن تكون على أمره ونهيه، والحذِر يؤتى من مأمنه، فمثلًا: أحيانًا طبيب متفوق في اختصاصه، وقد أمضى ثلاثين عامًا في الدراسة فهذا المرض وأسباب الوقوع فيه، هو واثقٌ من نفسه إلى درجة أنه لن يصاب بهذا المرض لأنه عليمٌ بكل تفاصيله ودقائقه، فمثل هذا الإنسان الذي اعتمد على علمه وظن أن الأسباب وحدها تكفي، قد يصاب بهذا المرض تأديبًا له على شركه، أو على اعتماده على الأسباب.
إذًا: ننطلق في بداية هذا الدرس من أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا أقوامًا كثيرين جاءتهم رسالة السماء فكذبوا بها، وأنذروا بعذابٍ إذا هم عصوا فلم يعبئوا بهذا الإنذار، فجاءهم العذاب الأليم فاستأصلهم، قال تعالى:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
إذا أيقنت بمصداقية الإنذار، وإذا أيقنت بحتمية العقاب، فالمنطق والعقل والفطرة تدعوك إلى طاعة الله عزَّ وجل.
{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا}
أي رياحًا محملةً بالحجارة فأهلكتهم عن آخرهم ..