وبالمناسبة أيها الإخوة: ذكرت مرةً أن هذه المنضدة مثلًا موضوع عليها هذا المصحف، وهذه الآلات، وهذا الكأس، لكن هي تتحمل أوزانًا أكبر من هذا بكثير، بمعنى أن هناك احتياطاتٍ كثيرةً أودعت فيها، فيمكن أن يقف عليها إنسان، ويمكن أن تتحمَّل إنسانين، وقلَّما تصاب بالعطب لأن احتياطها كبير، وكان من الممكن أن يكون الإنسان على شاكلة هذه الطاولة، بكل عضو من أعضائه، بكل جهاز من أجهزته احتياط كبير، بحيث لا يمرض أبدًا، بل يعيش شابًا إلى أن يأتيه الأجل، فيموت فجأةً، كان من الممكن أن يكون الإنسان كذلك، لكن شاءت حكمة الله أن يخلق الإنسان ضعيفًا، لماذا؟ ليفتقر في ضعفه، وليرى ضعفه.
ولعل من حكم الصيام أن الإنسان القوي الشديد، العتيد حينما يدع الشراب والطعام في أيام الصيف الحارة يرى أنه ذاب كما تذوب الشمعة، وذبل كما تذبل الورقة، وتتوقف نشاطاته على كأس ماء، ولعله في الصيام يعرف حجمه، وضعفه، وافتقاره.
أيها الإخوة: يفتقر الإنسان إلى أن يكون عبدًا لله، فالعبودية أن تعرف الله، ولا أبالغ إذا قلت: إن الدرس اليومي الذي نمتحن به مقدار افتقارنا إلى الله ومقدار اعتزازنا بأنفسنا، ففي اللحظة التي نفتقر إلى الله يتولاَّنا الله بالرعاية والعناية، وفي اللحظة التي نعتد فيها بأنفسنا يتخلى الله عنا، ولذلك فمن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
(( فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين لا إله إلا أنت ) )
(أخرجه أبو داود عن ابن أبي بكرة)
فالقانون أنك تفتقر فيتولاَّك، وتستغني فيتخلى عنك، فأنت بين الافتقار وبين الاستغناء، الاستغناء جهل، والافتقار علم، الاستغناء ضعفٌ في الأخلاق، أما الافتقار قمة الأخلاق، ولا تنسوا أن أصحاب النبي رضوان الله عليهم وهم قمم البشرية حينما قالوا: لن نغلب من قلة تخلى الله عنهم ..