إذًا المعنيان، الأول: هؤلاء لا خير فيهم، المعنى الثاني: هؤلاء ليس لهم وزنٌ إطلاقًا في ميزان الحياة، هؤلاء سقطوا، هؤلاء ينساهم الناس، هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله وأرادوا الحياة الدنيا حينما تذوي دنياهم يسقطون معها، فإذا كان الإنسان (والفكرة دقيقة) كلُّ مكتسباته هي الدنيا، هذه الدنيا تنصرف عنه في ثانيةٍ واحدة حينما يقف قلبه، فهناك حادث مفاجئ أحيانًا ينهي حياة الإنسان، أو موت مفاجئ، أو مرض مفاجئ، أو موت طبيعي ولكن مبكِّر، فأين مكتسباته؟ فالمال تركه، المكانة تخلَّى عنها، اللذَّائذ فاتته، بيته سُلِبه، ثم أُودِعَ في القبر، فلذلك الحياة الدنيا من دون أمل في الآخرة مغامرة ومقامرة، كل مكتسباتك ما دام القلب ينبض، لو توقَّف لم يبق هناك شيء، وصار نعوةً في ورقة على الجدران، والأموال كلِّها انتقلت إلى الورثة، إذًا العلم هو الذي يجعلك تعمل للآخرة، العلم هو الذي يجعل الدنيا مَطِيَّة وليست غاية، يجعلها ممرًَّا وليست مقرًَّا، يجعلها دار تكليف لا دار تشريف:"إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي".
أنا عند قوله تعالى:
{ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}
سرُّ شقائهم، سرُّ تولِّيهم عن الحق، سر انكبابهم على الملذَّات أنهم لا يعرفون، ولو عرفوا لما فعلوا، إذًا طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم، طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، الدنيا أساسها العلم، والآخرة أساسها العلم، وهما معًا أساسهما العلم، والعلم أساس النجاح، وأساس التفوُّق، وأساس السعادة في الدارين، وكما قال عليه الصلاة والسلام:
(( لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ) ).
(رواه البيهقي عن أبي هريرة)