والعبرة لمن يضحك أخيرًا، والعاقل من يهتم بخريف عمره، لا بمقتبل عمره، قد يستوي الناس جميعًا في شبابهم، أما التفاوت الكبير في خريف حياتهم، من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، من لم ينشأ في طاعة الله ويشكل حياته تشكيلًا إسلاميًا، ربما تعب كثيرًا في خريف عمره، وأفضل شيء لدى الإنسان أنْ يطبِّق أوامر الله في سن مبكرة، وعندئذ في الأعم الأغلب، سيختار زوجة مسلمة صالحة، وسيختار عملًا شريفًا، فلو جاء إيمانه وصلحه مع الله متأخرًا، وقد شكل حياته تشكيلًا غير إسلامي، فهناك يلقى متاعب لا تحصى، لذلك هنيئًا لمن نشأ في طاعة الله، فهذا له خريف عمر متألق.
فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
لو درسنا تاريخ الإسلام في بدايته، أصحاب النبي الذين آزروه، ونصروه وأيدوه، وقاتلوا معه، ووضعوا أرواحهم على أكفهم، نصرًا له، فما مقامهم في ذاكرة التاريخ؟ والذين عارضوه، وكذبوه، وائتمروا على قتله، وإخراجه، والتنكيل بأصحابه، أين هؤلاء الذين عارضوه وكذبوه؟ أين مقاماتهم التي تزار؟ فهل رأى أحد منكم مقامًا لأبي جهل بمكة؟ إنّهم في مزبلة التاريخ، أما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين نصروه، وأيدوه، في أعلى عليين، في مقام رفيع، فالعبرة للخاتمة، العبرة لمن يضحك آخرًا، العاقبة للمتقين دائمًا الإنسان عليه أن يضم الآخرة إلى الدنيا، أو عليه أن يضم نهاية الحياة مع بدايتها، أما إذا نظر إلى البداية قد يتوهم أن المتفلت أسعد من المنضبط، وأن الغني الذي جعل غناه من مال حرام أسعد من الفقير الذي تورع عن المال الحرام، أما إذا ضممت آخر الدنيا إلى أولها، أو ضممت الآخرة إلى الدنيا اختلفت الموازين.
الخطأ الكبير الذي يرتكبه الناس موازنة حياة الكافر مع حياة المؤمن: