تسلَّلْ ساعة أو يومًا إلى حياة الناس، ادخل إلى قصر العدل، بأي فرع من فروع القضاء آلاف الدعاوى وأكثرها افتراء، أكثرها دعاوى كيدية، هناك أكل للمال الحرام، هكذا بصراحة، أين الخوف من الله؟ أين هذا المؤمن الوقاف عند كتاب الله؟ أين هذا المؤمن الذي يخشى الله؟ الذي يخشى أن يأكل مالًا حرامًا، أن يعتدي على أعراض الناس، أن يعتدي على سمعتهم:
{هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}
بصراحة أيها الإخوة: التكذيبُ نوعان، التكذيب بالقول ليس خطيرًا جدًًّا، فخطره محدود، فقد يعني أنك تناقشه، أما الخطر بالتكذيب العملي، فقد لا تقول بلسانك: أنا لا أؤمن بالنار لكن الأعمال كلها تؤكد أنك لست مؤمنًا بها، فأعمالك، مثلًا قد توحي أنك لا تهتم بطريقة كسب المال؛ من أين تأخذه؟ هذا يعني أنك لا تؤمن بهذا الوعيد الإلهي.
لذلك يوم القيامة يقال لهؤلاء العصاة:
{هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ}
أحدُ القضاة طُرق باب بيته، جاءه الغلام فقال: إن بالباب رجلًا أعطاني طبقًا من الرطب، وكان القاضي معروفًا في المدينة، بأنه يحب الرطب في بواكيرها، قال من قدمه لك؟ قال رجل، قال: صفه لي، قال: صفته كيت وكيت، فعرفه أنه أحد المتخاصمين عنده، قال له أعطه الطبق وردّه إليه، بعد أيام قابل الخليفة ليعتذر من منصب القضاء، قال له: و لمَ وأنت من القضاة النزيهين؟ قال ولقد قُدم لي طبق رطب من أحد المتخاصمين ورددته، وفي اليوم التالي وقد وقفا بين يدي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق مع أني لم آخذه فكيف لو أخذته، هكذا كان ورعهم، لأنهم آمنوا أن هناك نارًا حامية، وإذا عصى الإنسان ربه سيدخلها:
{هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ}
فهل كان الكلام سحرًا، أم قرآنًا؟ وهذه نتائجه.