لو جلست مع أهل الدنيا، مع أهل الغفلة، مع أهل الجهل لوجدت في أفكارهم العجب العجاب، تصور سخيف للحياة، تصور سخيف للكون، تصور سخيف للإنسان، تصورٌ سخيف للجزاء والعقاب، واللهُ عز وجل سمى هذه التصورات خوضًا، مخاضة، وَحَل يعني: كلام لطيف جدًا، معبر، أفكاره، معتقداته، تصوراته، مبادئه، قيمه كالوَحَل، مبدؤه المصلحة، يتلون ألف لون ولون بيوم واحد، من أجل مصلحته، ليس عنده شيء مقدس أبدًا، يقدِّس ذاته فقط، يقدِّس المال ويعبده من دون الله، مستعد أن يقول أي شيء من أجل أن يبقى في مكانه وفي عمله، وفي دخله الكبير، هذا خوض، ليس عنده مبدأ، ولا قيمة ثابتة، لا يعادي ولا يسالم، يسالم لنفسه، ويعادي لنفسه فقط، هذا الله عز وجل سماه خوضًا، مخاضة، وحَلًا، تصوراته كالوحل الآن اهتماماته كالوحل، ما عنده همّ مقدس، كل همومه أرضية، هُّمه ملذاتُه، همه طعامه وشرابه، بيته، همُّه رفاهه واستمتاعه بالحياة، همه استعلاؤه على الناس، همه افتخاره بما عنده، همه أن يكون مسيطرًا مثلًا، وأن يكون مستمتعًا، همومه كلها صغيرة، هموم مادية، هموم شهوانية، هموم مصلحية.
أما المؤمن الذي عرف الله عز وجل همومه مقدسة، يسعى لهداية الناس، يسعى لنشر الحق، يسعى لخدمة الخلق يسعى لمرضاة الله عز وجل، يسعى لجنة عرضها السماوات والأرض يسعى لحياة أبدية، يسعى ليكون:
{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}
(سورة القمر: 55)
همومه مقدسة، لأن معتقداته مقدسة، عالية، لو عرضت أفكار غير الإسلاميين على محك البحث لوجدت فيهم الشيء الذي لا يصدق فالله عز وجل سمى معتقدات هؤلاء، أو تصورات هؤلاء، أو مبادئ هؤلاء سماها خوضًا، وهم يلعبون فيها كالصغار، وسمى اهتماماتهم التي تشغلهم، والتي تنصب عليها همهم، وأن كل ما يعنيهم، سماها خوضًا أيضًا.