الشيء الآخر إن عرفْت أو لم تعْرف، إنّ عرفتَ أنّ لكلّ حسنة ثوابًا، وأنّ لكلّ سيّئة عِقابًا، أو لم تعرف، للحسنة ثوابها، وللسيّئة عِقابها، قال: يا رب، عصيْتُ ولم تُعاقبني، فقال الله: يا عبدي عاقبْتُك ولم تدْر، فأنت إن عرفْت أو لم تعرف فالعِقاب حاصِل، ولو دقَّقت لوجدت أنّ أفعال الله كلّها حِكمةٌ ما بعدها حِكمة، وعَدل ما بعدها عدل، ورحمة ما بعدها رحمة، فإما أن تعرف وإما أن تجْهل ولكنَّك إن جَهِلت فليس معنى هذا أنَّ الحسنة ليس لها ثواب، وأنّ السيّئة ليس لها عِقاب، فالعِقاب واقِع، والثَّواب واقِع، قال تعالى:
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}
مرَّة أخرى أيها الأخوة؛ أُعيذ هذه الفِكرة مئات المرات خِيارُك مع الإيمان ليس خِيار قَبول أو رفض، ولكن خِيار وقت فقط، الشيء الذي لا تعرفه، أو الشيء الذي عرفْته وأنكرتهُ، أو الشيء الذي صَدَدْت عنه، لا بدّ أن تؤمن به عند لِقاء الله عز وجل، والدليل أنّ أكفر كُفَّار الأرض حينما قال: أنا ربكم الأعلى، لمَّا غرق قال كما حكي عنه تعالى:
{آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}
[سورة يونس]
فإما أن تؤمن، وأنت في بَحبوحة، وفي صِحَّتك، وشاب، وغنيّ، وإما أن تؤمن بعد فَوات الأوان، فليس المقولة تؤمن أو لا تؤمن، لا، لا بدّ من أن تؤمن، ولكن حينما تؤمن بعد فوات الأوان تندم أشدّ النَّدَم، فالآن نحن في بَحبوحة، وباب الصّلح مع الله تعالى مفتوح، وباب التوبة والاستغفار مفتوح، وباب إصلاح الأخطاء الماضيَّة مفتوح، وباب أداء الحقوق مفتوح، وباب الاستِسْماح مِمَّن اغْتبْته مفتوح، الأبواب الآن كلّها مفتوحة، ولكن حينما يأتي ملك الموت الأبواب كلّها تغلق، قال تعالى: