كنتُ اليوم قبل أن آتيَ إليكم في عقد قران، أخٌ كريم تقدَّم فخطب قبلي، و تكلّم كلامًا طيِّبًا و جيِّدًا و رائعًا إلا أنه قال: إذا رأيت داعيةً لم تجد سلوكه مطابقًا لقوله فلا تعبأ بذلك، خُذ قولَه و دعْ سلوكَه، فلما جاء دوري في إلقاء الكلمة قلتُ: المدعو إن رأى المرء الذي يدعوه لا يطبِّق منهج الله هناك سؤالان خطيران؛ أوَّل سؤال: هذا المنهج يبدو أنه غير واقعي لأن الذي يتحدَّث عنه لا يصدِّقه، و إذا كان واقعيًا المتحدِّث مقصِّر، و في كلا الحالين سقطتْ الدعوة، لا يمكن أن تصغي إلى إنسان لا يطبِّق كلامه، ومثل هذا الإنسان لا شأن لك عنده إطلاقًا، وهذا الإنسان لا يستأهل أن تُصغي له، ولا أن تأتي بيته، ولا أن تأتي مسجده، لأنَّه يُتاجِرُ بالدِّين والإمام الشافعي يقول: لأَن أرْتزق بالرَّقص، أهْونُ مِن أن أرتزق بالدّين، فلا تجعل الدِّين حرفة أو صنعة أو مهنةً، ولكن دَع الدِّين نقيًًّا طاهرًا في السماء.
فيا أيها الأخوة؛ هذا كلام مفيد، وكلام مُلخَّص، إذا أردْت أن ترقى، فَدَعْك من القيل والقال، والخِلافيَّات، ودَعْك من الحِوارات، وطبِّق آية تعرفها، فهذا رسول الله لما قال له ذاك الأعرابي عظِني وأوْجِز تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام آيتين، وهو قوله تعالى:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
[سورة الزلزلة]
و القرآن ستُّمئة صفحة من آيات، وأحكام، ووعد ووعيد، وأمر، ونهي، وغيب الحاضر، وغيب الماضي، وقصص السابقين، ولكنّ هذا الأعرابي اكتفى بآيتين فقط، وقال الأعرابي: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقُهَ الرجل.