أيها الأخوة الكرام، الرِّزق ابْتِلاء، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يصْلُحُ له إلا الفقر فإذا أغْنيْتُهُ أفْسَدتُ عليه دينه، وإنَّ من عبادي من لا يصْلُحُ له إلا الغِنى فإذا أفْقرتُهُ أفسدتُ عليه دينه، فأنت ممتحن بالفقر و ممتحن بالغنى، ولكن لو أنّ إنسانين عاشَا ثمانين عامًا؛ أحدهما فقير، والثاني غنيّ، لو أنَّ الفقير نجَحَ في امتحان الفقر، ولو أنَّ الغنيّ رسب في امتحان الغنى، ما النتيجة؟ أنَّه بعد الموت يسْعد الفقير في جنَّة ربّه إلى أبد الآبدين، ويشْقى الغنيّ الذي رسَب في امتِحان الغنى يشقى في جهنم إلى أبد الآبدين، إذًا العِبرة في خواتم الأعمال والعبرة كما قال تعالى:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
[سورة آل عمران]
الدنيا إن أتَتْ أو لم تأت لم تكن مِقياسًا لإرضاء الله عنك، فالله عز وجل أعطى المال لمن لا يحبّه؛ قارون، وأعطاه لِمن يحبّه؛ سيّدنا سليمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، ولبعض أغنياء الصحابة كسيّدنا عثمان رضي الله عنه، فالمال يُعطى وليس هو دليل الرّضا، ويُمْنع، ولا يعني أن منعهُ دليل الفقْر، النبي عليه الصلاة والسلام سئِل: أَتُحِبُّ أن تكون نبيًًّا ملكًا أم نبيًًّا عبدًا؟ فقال: نبيًًّا عبْدًا، أجوعُ يومًا فأذْكُرهُ، وأشْبَعُ يومًا فأشْكُرُهُ، ولعلّ النبي عليه الصلاة والسلام لِحِكمة بالغة أراد الأقرب إلى العبوديّة، وأراد الأسلوب من امتحان الغنى، فامتحان الفقر أهْون من امتحان الغنى، ويكفي أن تقول حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، أما الغني هناك ألف مُنزلقٍ ومنزلق أمامه، فإذا نجا من هذا قد لا ينجو من الثاني.