أيها الأخوة الكرام: هناك شيء آخر، وهو أنّ الإنسان طاقاتهُ وإمكاناته تُتيحان له أن يُتْقِنَ اخْتِصاصًا واحِدًا، أو اخْتِصاصين، أو ثلاثة، لكنَّه بِحاجة إلى ملايين الحاجات، إذًا هو مَقهور أن يكون في مجتمع، لو كتبت على ورقة ما تستهلكُه في اليوم الواحد؛ تحتاج إلى خبز، إلى ماء، إلى طعام، إلى شراب، إلى بيت، إلى فراش، إلى غرف، إلى تعليم، و إلى طبابة، أي تحتاج إلى أشياء لا تعد ولا تحصى، وقد يسَّر الله لك عملًا واحِدًا أو اخْتِصاصًا واحِدًا، ما معنى ذلك؟ أنَّك مقهور أن تكون في مجتمع .
الآن من خِلال حاجتك إلى الطعام والشراب تنطلق إلى العمل، ومن خلال حاجتك إلى الزوجة تنطلق إلى الزواج، ومن خلال حاجتك إلى تأكيد الذات تنطلق إلى أعمال تسعى إلى أن تكون لك نِبْراسًا في المجتمع، ومن أجل حاجتك إلى آلاف المواد تعيش في مجتمع، كلّ هذا من أجل أن تُمْتَحن بالخير أو الشرّ، وبالعطاء أو الحِرمان، وبالإحسان أو الإساءة، وبالصّدق أو الكذب، وبالإخلاص أو الخيانة، وبالاستقامة أو الانحراف، بالكبر أو التواضع، وبالإنصاف أو الجحود، ومن خِلال العمل، ومن خلال الزواج، ومن خلال تأكيد الذات، ومن خلال بقائك في المجتمع تُمْتَحَن أشدّ الامتِحان، قال تعالى:
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}
[سورة الملك]
وقال تعالى:
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}
[سورة العنكبوت]
قال تعالى:
{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
[سورة العنكبوت]
إذًا أنت في الحياة الدنيا مُبْتَلى من أجل أن تعمل عملًا صالحًا يُؤهِّلُكَ لِجَنَّة عرضها السماوات والأرض، فأنت مخلوق للجنة، للجنة وحدها، قال تعالى: