لذلك لما تقلَّص الدِّين وانْكَمشَ، حتى أصْبَحَ رُكَيْعاتٍ تؤدَّى جوفاء، وطقوسًا تمارس من دون معنى انتهى الدين، و الآن لا بدّ لهذا الدِّين أن يُجدَّد:
(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) )
[رواه مسلم عن أبي هريرة]
كيف يُجَدَّد؟ بالعمل، حدَّثني أخٌ مِن إخواننا الكِرام أنَّه وقف موقفًا أخلاقيًًّا وفيه مؤاثرة، الذي يرْأسُهُ في العمل علِمَ هذه المؤاثرة، وهذا الموقف الأخلاقي، قال لي: والله ما دَعَوتُهُ إلى المسجد أبدًا إلا أنَّه في الدرس القادم وجَدْتُهُ بين الأخوة المصلين، ما قلت له ولا كلمة، تعال إلى المسجد، رأى موقفًا أخلاقيًا، موقفا يلفت النظر، لم يفعله أحد ممن حوله، بدافع دينه فعله، فرأى هذا الإنسان بين صفوف المصلين في الدرس القادم، هكذا يمكن أن تدعو إلى الله وأنت ساكت، ولا كلمة، استقامة، صدق، رجل يبيع موادًا غذائية وله درس في مسجد، قال له: هل عندك بيض؟ فقال: نعم، فقال الزبون: هل هو طازج؟ فقال الأخ: له أربعة أيام، ولكن جاري قد أحضر الآن البيض، هذا أبلغ من آلاف المحاضرات، الكلمة الصادقة أبلغ من ألف محاضرة في الدين، ونحن نريد مسلمين من هذا الطِّراز، صادق لا يكذب، وأمين لا يخون، لا يحيف، لا يمشي مخاتلة، ولا يَحتال، وله وجْه واحِد، سره كظاهره، وسريرتُهُ كظاهره، وجلْوتُهُ كَخَلْوَتِهِ، ولا تأخذه في الله لومة لائم، والدنيا كلَّها تحت قَدَمِهِ، إذا جرته إلى معصية، هذا المؤمن، لا يُسَخِّر القِيَم ولا يسْخَر منها، هناك من يسخر من القيم، هناك من يسخرها لمآربه، يركب القيمة، يدَّعي أنَّه صالح و أنه يسعى للخير، فهو يطوف على الناس من أجل أن تعمّر الأرض مسجدًا وأخذ أقلّ سِعر، فصاحب الأرض باعهُ إيَّاها بِثَمن رمزي، فلمَّا تملَّكها أنشأ بيتًا وسكنَهُ، فهناك مَن يسَخِّر القِيَم، وهناك من يسْخر منها.