هذه الذاريات التي تذرو السُّحب، وتسوقها إلى بلد، أو تذرو حبوب الطَّلع الملقِّحة للنباتات فلولا الرياح لما أنبت النبات، وكلّكم يعلم (وفي ذلك آية كريمة) أنَّ النبات مخلوق من ذكر وأنثى، النبات كله مخلوق من ذكر وأنثى، وهذا الذَّكر والأنثى لا بدّ من أن يتلاقحا عن طريق الرياح، لذلك سمى الله الرياح في آية أخرى لواقحًا، قال تعالى:
{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}
[سورة الحجر]
هذا الهواء الذي يتحرّك يُجدِّد الجو، لو أغلقت النوافذ في غرفة لضاقت نفسك، نسمة لطيفة تنعش الإنسان، وتحرّكه له قوانين دقيقة جدًًّا ويسوق السُّحب ويسوق حبوب الطَّلع الملقِّحة للنباتات، فهذا الذي صمَّم وهذا الذي قنَّن وهذا الذي وضَع هذه السُّنن هو ربّ العالمين، ألا يستحقّ أن تعبده؟ قال تعالى:
{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا}
فالهواء مُحمَّل بِبُخار الماء.
ثمّ يقول الله تعالى:
{فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا}
مُحرِّك ماء صغير في بستان يُقْلق الحاضرين، ويُصْدِرُ صوتًا مزعجًا، يحطم الأعصاب، فهذه الكُتل الهائلة وملايين الأطنان المحمولة في الهواء وتسير بلا صوت، قال تعالى:
{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}
[سورة النمل]
هذا تشبيه بليغ مصدري! في هدوئها ولطفها.
قال تعالى:
{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا}