مثلًا هذا الهواء لا يحول بيني وبينكم، لكنَّ طائرةً يزيدُ وزنها عن ثلاثمئة وخمسين طنًًّا يحملها! فما هو هذا الهواء اللطيف؟ أما إذا تحرَّك وزادَت سُرْعتُهُ عن مئتي كيلو متر، ووصَلَتْ إلى الثمانمئة كيلو مترًا أصْبَحَ إعْصارًا ودمَّر كلّ شيء، فبينما هو نسيم عليل إذا هو إعْصار مُدمِّر، فما هذا الهواء؟ هذا الهواء سبب تنافر الضوء، فلو ذَهَب الإنسان إلى القمر، وهو في رابعة النهار يرى الفضاء أسْودًا، وفي وسطِهِ قرْص الشمس، بينما في الأرض ترى الدنيا مضيئة وسببها هذا الهواء الذي ينثر الضَّوء، ففي غرفتك ضَوء من دون أشِعَّة الشمس، فالهواء وحدهُ مِن أكبر الآيات الدالة على عظمته، لطيف ويتحرَّك، كيف يتحرّك؟ مِن خصائصه أنَّه إذا سُخِّن تمدَّد، فالهواء الذي فوق الصَّحراء حرارته خمسون درجة يتمدد، والهواء الذي فوق المناطق الباردة ينكَمِش، فهنا ضَغط منخفض، وهنا ضَغط مرتفع، والهواء يتحرَّك من الضَّغط المرتفع إلى الضّغط المنخفض، فلولا أنّ هناك مناطق صَحراوِيَّة في الأرض هواؤُها حار، ومناطق باردة هواؤُها بارد منكمِش لما تحرَّك الهواء، وهذا تفسير بسيط جدًّا لِحَركة الهواء!
هناك تفسيرات أخرى مُعقَّدة جدًّا، فالهواء يتحرَّك من القطبين إلى خطّ الاستِواء، ومن المناطق الباردة إلى المناطق الحارة، ومن الغرب إلى الشَّرق، فلولا حركة الهواء لَكُنَّا في حالة لا تُحْتمل.
ربُّنا عز وجل أشار في مطلع هذه السورة إلى هذه الظاهرة التي يُمكن أن تكون أحدَ أكبر الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل، قال تعالى:
{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا}
ذَرْوًا مفعول مطلق، وسُمِّيَ مفعولًا مطلقًا لأنَّه يحْتَمِلُ معانٍ كثيرة، ذَرْوًا حكيمًا، وذَرْوًا رفيقًا، وذرْوًا لطيفًا، ذروًا هادفًا، والذاريات، فهذه الرِّياح التي تذْرو السُّحب تنقلها من مكان إلى مكان، ولو سَكَنت الرِّياح ما قيمة السحب؟