لو أتينا بخمسة مليارات إنسان، وهم سكَّان الأرض، وأطلعناهم على خطرٍ رأوه بأعينهم لاتّقوا الخطر، ولا فضل لك إذا رأيت بعينيك الخطر، وابتعدت عنه، ليست هذه هي العبادة، العبادة أن تُدرِك الخطر بعقلك، الخطر ليس أمامك، لا تراه رأي العين، بل هو غائبٌ عنك، فهذا الذي يؤمن بالله يتقي الله بالغيب، أي أن عقله دلَّه على أن لهذا الكون خالقًا، وأن كل البشر عباده، وأنك إذا أحسنت إليهم رضي عنك، وإن أسأت إليهم عاقبك عقابًا شديدًا في الدنيا والآخرة، فهذا الذي يرى الخطر بعينه فيتقيه لا يسمَّى عابدًا لله لأنّ أيّ مخلوقٍ على الإطلاق إن رأى الخطر حادَ عنه، لكن المؤمن قال تعالى:
{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}
(سورة البقرة)
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}
أي أنه آمن بالله، ولم يره بعينه، آمن بوحدانيته، وآمن بكماله، وآمن بوجوده، وآمن بكتابه، وآمن برسله، فشكَّل كل حياته وفق ما يرضي الله، هذا الذي يرقى عند الله، آمن بالغيب، احترم عقله، ذلك العقل، تلك الأداة الثمينة التي أكرمك الله بها كي تعرفه بها انتفعت به، لذلك هذا الأوَّاب الحفيظ.
أما الذي يرى الزلزال بعينه، أو يرى المرض بعينه، الآن كل إنسان لا سمح الله ولا قدَّر إذا أصابه مرض عُضال بسبب الدخان يُقلِع عنه، ولكن ليس له فضل، لأنه متى أقلع عنه؟ بعد أن أُبلِغ أن هناك مرضًا عضالًا قد حلَّ به، لكن العاقل هو الذي يدع الدخان قبل أن يحلَّ به المرضٌ العضال، هذا العاقل، هذا خشي عواقبه بالغيب، بالفكر أدرك أن هذه العادة تسبب مشكلات كثيرة في صحَّته فتركها.