أحد أصحاب رسول الله أمسك تمراتٍ ليأكلها وهو في المعركة، فقال: ليس بيني وبين الجنة إلا هذه التمرات، ألقاها، وقاتل حتى قُتِل .. فالإنسان المستقيم ليس بينه وبين جنَّة الدنيا إلا أن يستقيم، فإذا استقام أقبل على الله عزَّ وجل، هو في جنَّة لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}
(سورة الرحمن)
قال المفسِّرون:"جنَّةٌ في الدنيا، وهي القُرب من الله"، ليس معنى ذلك أن ترى المؤمن في بحبوحةٍ مادِّيةٍ كبيرة، في غناءٍ فاحش، لا، ليس هذا هو المعنى، جنَّة الدنيا أن تنعُم برضوان الله، أن تشعر أن الله الذي خلق السماوات والأرض يحبك، وهو راضٍ عنك، وهذا الرضا وذاك الحب لا يعرفه إلا من ذاقه، جنَّة الدنيا أن تطمئن، جنة الدنيا أن ترضى بنصيبك من الله، جنة الدنيا أن تشعر أن الله معك ولا يتخلَّى عنك، جنة الدنيا أن تشعر أن الله يدافع عنك، جنة الدنيا أن تشعر أن الله لن يكتب لك إلا الخير، ولن تفاجأ في المستقبل إلا بمزيدٍ من الخير ..
{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}
(سورة طه)
{فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
(سورة البقرة)
لا خوفٌ عليهم من المستقبل، ولا هم يحزنون على الماضي، هذه جنَّة الدنيا، جنة الدنيا مبذولةٌ لكل مخلوق، الثمن موحَّد، أسعار موحَّدة، الثمن واضح، والثمن تملكه، وهو طاعة الله عزَّ وجل ..
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
(سورة الحجرات: آية"13")
الآية تحتمل المعنيين، تحتمل أنك إذا اتقيت الله عزَّ وجل اقتربت منك جنَّة الدنيا، وتحتمل أنك إذا اتقيت الله في الدنيا اقتربت منك جنة الآخرة سببًا، أي اقتربت منها من حيث الأسباب، كما لو أن الإنسان أتقن قراءة كتابٍ مقرَّر في الامتحان فإذا أتقنه، وأتقن الكتاب الثاني والثالث والرابع يقول لك: كأنني نجحت، كأن النجاح لاح له بين عينيه.