طبعًا الإمام الغزالي كما قلت لكم في الإحياء عقد بابًا من أدق أبواب الكتاب حول آفات اللسان، وخصَّ باب الغيبة باهتمامٍ بالغ، فذكر من الغيبة غيبة القلب، تُرْوَى في التاريخ قصَّة لا أدري مبلغها من الصحَّة لكن تعني شيئًا كثيرًا، وهي: أن امرأةً كانت تُغَسِّل ميتةً فالتصقت يدها بجسم الميتة، ومضى وقتٌ طويل، ويدها وجسم الميتة أصبحتا قطعةً واحدة، فاحتار أهل الميَّتة أيقطعون يد المغسِّلة أم يقطعون من لحم الميتة؟ مضى وقتٌ طويل .. وفي عهد الإمام مالك والمقولة الشهيرة: لا يُفتى ومالكٌ في المدينة .. فالإمام مالك عندما بلغه الخبر قال: اجلدوها ثمانين جلدة، وفي الجلدة الثمانين فُكَّت يدها، لأنها اتهمتها بقلبها بالزنا.
و أحيانًا أنت لا تقول شيئًا لكن تتهم أخاك البريء بقلبك، فهذه التهمة تُحَاسَب عليها، لأنه لا يوجد معك دليل، فمن غير دليل تقول: فلان حرامي، إنها كلمة كبيرة جدًا هذه، فالمؤمن الصادق لا يأكل دِرَهَمًا حرامًا، والمقولة الشهيرة:"ترك دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجَّةٍ بعد الإسلام"، فإشاعة أو تهمة، أو إنسان فاسق فاجر قال كلمةً: من أين حصل على كل هذه النقود؟ قد يكون له دخل أنت لا تعرفه، قد تكون له تجارة، وعلى كلٍ أنت لست وصيًّا عليه، أما أن تلقي هذه التهمة جزافًا فهذا إثم كبير.
الغيبة و البهتان:
فلذلك الغيبة أن تقول في أخيك كلامًا يتألَّم منه إذا بلغه ولو كان صحيحًا:
(( يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: ذِكْرك أخاك بما يكره فقال رجل: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إِن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهتَّه ) )
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
البهتان أي الافتراء، تهمة ليس لها أساس من الصحة، فهذا بهتان وإفك، أما الغيبة فأن تذكره بشيءٍ فيه ولكن هذا الذكر يؤلمه إذا وصل إليه، طبعًا:
{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}