فالجاهلية أن تستخدم مقاييس غير مقاييس هذا الكتاب، وأن تزن الناس بميزان غير ميزان الكتاب والسنة، هذه هي الجاهلية، وأن تعظِّم إنسانًا بماله، وتعظمه لقوته، وأن تحابيه لقربه منك فكل ذلك مقياس جاهلي:
(( من ولي أمر عشرة وولى عليهم رجلًا فيهم من هو خيرٌ منه فقد خان الله ورسوله ) )
فالمحاباة غير موجودة في الإسلام:
(( والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) )
[أخرجه البخاري عن عائشة]
أبدًا:
(( إنما أهلك الله بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) )
[متفق عليه عن عائشة]
هذا هو الدين. فالمجتمع ما لم تحكمه قيمٌ واحدة تسري على كل أفراده فهذا المجتمع لا يتقدم أبدًا، إنه مجتمع الإيمان ومجتمع المقاييس الواحدة، والمعايير الواحدة، فالمؤمنون جميعًا يُقَيَّمون بمقياسٍ واحد وبمعيار واحد، والإنسان كلما اقترب من الإيمان اقترب من مقاييس القرآن، فلا يُعَظِّمُ إلا المؤمن، ولذلك:
(( لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي ) )
[أَخرجه أبو داود، والترمذي عن أبي سعيد الخدري]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}
اللمز هو الطعن، والتشهير، وأن تعيب على الناس متاعَهُم الخشن، وحياتهم المتواضعة، وأن تعيب على الفقير فقره، وعلى الضعيف ضعفه، وعلى المريض مرضه، وعلى صاحب المتاع الخشن متاعه، فالنقد، والتعيير، وإشاعة العيوب، وكشف العَوْرات، هذا هو اللمز قال:
{وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}
أما {أنفسكم} كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسم بالسهر والحمى، فكيف قال الله عزَّ وجل:
{وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}