النبي قَصَّ عليهم رؤياه، أيقنوا جميعًا أنهم داخلون مكة، الآن لا توجد مكة، ولا يوجد عمرة، وسوف يعودون إلى مكة، وهذا الذي جاء مسلمًا عليهم أن يردوه، تألَّم السلمون أشد الألم ودخل عليهم همٌ عظيم، رُد أبو جندل إلى قريش بعد أن ضربه أبوه ضربًا مبرحًا، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي جندل:"اصبر واحتسب فإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صُلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله ألا نغدر بهم"-أي هكذا الشرط- ومما قاله صلى الله عليه وسلم لسهيل: إنا لم نقضِ الكتاب بعد، فقال سهيل: بلى، لقد لَجَّت القضية بيني وبينك، فقال عليه الصلاة والسلام: أجره لي- اسمح لي بهذا الشخص- فقال: ما أنا مجيرٌ لك بذلك، فقال: بلى فافعل، فقال: ما أنا بفاعل، فقال مِكْرَز وحوَيْطِب: قد أجرناه لك، وقالا لسهيل: لا تعذبه، وقال حويْطِب لمكرز: ما رأيت قومًا أشدَّ حبًا لمن دخل معهم من أصحاب محمد .. هذا منا.
ولما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام من الصلح أشهد عليه رجالًا من المسلمين، هم: أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقَّاص، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن سلمة، ورجال من قريش، حويطب ومكرز، وقام إلى هديه صلى الله عليه وسلم وفيه جملٌ لأبي جهل، كان نجيبًا في رأسه حلقةٌ من فِضَّة غنمه صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ونفر هذا الجمل ودخل مكة وانتهى إلى دار أبي سفيان، وخرج في أثره عمرو بن غنمة الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يردّوه .. لم يدخل الجمل في العقد .. حتى أمرهم سهيل بن عمرو بشرائه، فدفعوا فيه عدة ثياب، فقال عليه الصلاة والسلام: لولا أنا سميَّناه في الهدي فعلنا. وبأمرٍ من سهيل بن عمرو عرضوا مئة من الإبل مكانه، قال سهيل: فإن قبلها فامسكوا هذا الجمل، وإلا فلا تتعرضوا له، فأبى عليه الصلاة والسلام وقال: لو لم يكن هذا الجمل للهدي لقبلت المئة.