حدثني أخ له صديقٌ دعاه إلى حضور مجلس علم قبل أن يصطلح مع الله، قبل أن يتوب إليه، قبل أن يلتفت إليه، قال له بعد أن حضر الدرس: بالحرف الواحد: والله لم أفهم من الدرس كلمةً واحدة، ولم أعِ شيئًا، لأنني في واد والمتحدث في واد، لكن بعد أن توجَّه إلى الله، بعد أن أراد الهدى، بعد أن اصطلح مع الله عزَّ وجل، أصبح أذنًا صاغية، آلة من دون فيلم، لا فائدة منها إطلاقًا، لكن لما يطلب الإنسان الحقيقة يتأثر بكل كلمة، فالإنسان بعد أن يطلب الحق، كله آذان، كله أَعْيُن، لكنه قبل أن يطلب الحق.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)
(سورة البقرة)
في كل كرسيٍ تَسَنَّدَ إنسانٌ ... متكتفٌ أعمى أصمٌ أخرس
الإنسان إذا طلب شيئًا عقل عنه أما إذا أعرض عنه لم يفهم شيئًا:
أما في أوامر الدنيا فهو يفهم كل شيء، ربنا عزَّ وجل وصف أهل الدنيا قال:
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون (7)
(سورة الروم)
والدليل: حدِّث إنسانًا بأمور الدين، فإذا كان في وادٍ آخر يشعرك أن هذا الحديث لا يعنيه، يتململ، يتثاءب، يعتذر، ثم أُطْرُق معه حديثًا آخر دنيويًا، يقف على قدميه ساعاتٍ طويلة وهو لا يشعر لأن الدنيا تعنيه، لأنه راغبٌ فيها، لأنه لا يعلم شيئًا غيرها، لأنها أمنيته في الحياة، فهذا نموذج بشري متكرر، وهذا الشيء مما يعزِّي إخواننا الكرام، فلو كنت حريصًا على هداية أخ صديق وجئت به إلى المسجد وقد مُلِئْتَ أنت إعجابًا بالدرس، وسألته يقول لك: ما قال شيئًا يذكر، ماذا قال المتكلم؟ لم أفهم عليه ولا كلمة واحدة، لا تتألم، لا تصب بالإحباط، فهذا شيء طبيعي جدًا، الإنسان إذا طلب شيئًا عقل عنه، أما إذا أعرض عنه لم يفهم شيئًا.