أحيانًا تجد أخًا يقول لك: الله مفضِّل، فقد منّ عليه بمال، وهو ساكن في بيت، ويتوافر لديه من الطعام ما لذَّ وطاب، وعنده مركبتان أو ثلاث، وله أولاد في خدمته، لكنَّك لو استمعت إليه لوجدت في عقيدته خللًا، لا يؤدي العبادات أحيانًا، له ظنٌّ بالله سيِّئ، إذا كنت مؤمنًا حقًا ترى أن كل هذه النعم التي هو بها لا قيمة لها، نظير ضعف عقيدته، ونظير عدم عبادته لله عزَّ وجل، فلذلك تمام النعمة الهدى، بعد الهدى الصحَّة، بعد الصحَّة الكفاية، وانتهى الأمر إلى وضوح وسعادة، فمن أصاب الهُدى، وأصاب الصحَّة، وأصاب الكفاية ما فاته من الدنيا شيء، نال الدنيا بحذافيرها، بل بحذافير حذافيرها ..
من عرف الله و عمل صالحًا فقد أنعم الله عليه:
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ (14)
هذا يعرف حقيقة الحياة الدنيا، أنها ممر وليست مَقَرًا، يعرف سرَّ وجوده بها، ويعرف أن له ربًا عظيمًا وهذا منهجه، وهذا نبيُّه عليه الصلاة والسلام، وهذه سنَّة نبيُّه، والفلاح أن تؤمن به، والفلاح أن تتبع أمره، والفلاح أن تنفق من مالك في سبيله، هذا الذي يعرف هذه الحقائق، يعرف أن الله موجود، وأن الله واحد، وأن الله كامل، وأن أسماءه كلها حسنى، وأن أنبياءه معصومون، وأن النبي الكريم سيّد الأنبياء، المثل الأعلى، وأن هذا القرآن كتاب الحق، كتابنا المقرَّر، طبعًا هذه المعرفة الدقيقة العميقة، المتنامية، الواضحة، الشمولية، التفصيلية هذه المعرفة إذا اقترن بها العمل الطيِّب فهذه هي النعمة الحقيقية ..
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)
زُيِّنَ فعل مبني للمجهول، مَن الذي زَيَّن له سوء عمله؟ الشيطان، هذا وجه.
1ـ الإنسان الفاسق يفلسف عمله السيئ بأنه عمل طيب:
والوجه الثاني هو نفسه فلسف عمله السيئ، فهو ذو عقل.