أيْ إنّ هذا الوعد يمتص كل متاعب الحياة الدنيا، ذكرت مرَّةً مثلًا يقرِّب هذا المعنى: إنسان دخله قليلٌ جدًا، عنده ثمانية أولاد، ودخله لا يزيد عن ألفٍ وخمسمئة ليرة في هذه الأيام، وبيته مستأجرًا، حياته ضيّقة جدًا، طعامه خَشِن جدًا، بيته صغير جدًا، له عمٌ مثلًا يملك خمسمئة مليون، ليس له أولاد وتوفي فجأةً بحادث، ألم تنتقل كل هذه الثروة لهذا الفقير فجأةً؟ بقي عامٌ إلى أن قبض المبلغ الأول، لماذا هو في هذا العام من أسعد الناس؟ مع أن حياته هي هي، وطعامه هو هو، وبيته هو هو، لم يتغيّر في حياته شيءٌ إطلاقًا، ومع ذلك تراه من أسعد الناس لأنه دَخَلَ في الوعد الحقيقي، كل هذه الثروة آلت إليه، وبقي أشهرًا حتى يقبض هذه المبالغ الطائلة، إذًا هذا الوعد بهذا الغنى الكبير في نظره طبعًا يُنسيه كل متاعب دنياه.
وكذلك حال المؤمن، فحينما يعده خالق الكون بجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض فهذا الوعد يلغي كل متاعب الحياة الدنيا ويبددها، يقول المؤمن: والله أنا راضٍ يا رب، راضٍ عن كل شيء.
المؤمن راض عن كل ما قدّره الله له:
لذلك أحد الأشخاص كان يطوف حول الكعبة ويقول:"يا رب هل أنت راضٍ عني؟"كان وراءه الإمام الشافعي فقال:"يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟"فوقف وقال:"من أنت سبحان الله؟ من أنت يرحمك الله؟"قال:"أنا محمدٌ بن إدريس"قال:"ما هذا الكلام؟ كيف أرضى عن الله وأنا أتمنّى رضاه؟ ما فهمت هذا الكلام"، فقال الإمام الشافعي:"إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله". المؤمن يرضى بقضاء الله وقدره، يرضى بنصيبه من الله عزَّ وجل، المؤمن راضٍ عن الله عزَّ وجل ..
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (12)
هذا الفريق الأول.
وأما الفريق الثاني، قال:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا (12)