إذًا البطولة لا أن تنتصر، بل أن تحافظ على هذا النصر، بالتواضع، دخل عليه الصلاة والسلام مكة فاتحًا وقد كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعًا لله عزَّ وجل، فالمنتصر أمامه منزلاقات خطيرة، فتصور من باب التمثيل؛ جبل له طرق صعبة جدًا للوصول لقمته، طرق وعرة، ملتوية، فيها أكمات، فيها حُفَر، فيها صخور، فما إن وصلت إلى قمة الجبل حتى تنفَّست الصُعَدَاء، لكنك وأنت على قمة الجبل تجد طريقًا زَلِقًا مبلَّطًا ببلاط ثقيل مع آثار الصابون فرضًا، فأنت حين تصل إلى قمة الجبل تبذل جهدًا لا حدود له، لكن الزهو وحده وأنت في قمة الجبل يجعلك في الحضيض، والكبر يلقيك في الحضيض، الآن إذا انتصرت ورأيت أن الغلبة قد آلت إليك وأن العدو قد خضع فربما تساهلت في تطبيق أمر الله عزَّ وجل، فللحضيض تنحدر، لذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة، البطولة أن تبقى في القمة، لا أن تنتصر بل أن تحافظ على النصر، لذلك بعض العلماء يقول: ومعنى قوله تعالى:
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
بعد النصر، يثبت أقدامكم على نتائج النصر، على مكتسبات النصر، وأنت إذا انتصرت ينبغي أن تعزو هذا إلى الله عزَّ وجل، ينبغي أن تتواضع له، ينبغي أن تزداد تطبيقًا لأمر الله، فإذا فعلت هذا بعد النصر بقيت في القمة ..
الغرور يودي بالمنتصر إلى الحضيض:
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
القدم هي التي تزل، فالأصل أن يقال: ويثبتكم لكن لأن القدم أداة الثبات وأداة الانزلاق جاءت كلمة القدم لتعبِّر عن الكيان كله، وهذا في المجاز العقلي الاستخدام الجزئي ليعبر عن الكل.
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)