كنتُ أضربُ مثلًا طرقْتُهُ على مسامِعِكم كثيرًا أنَّه إذا قال إنسان لآخر: اِنْتَبِه على كَتفِكَ عقرب، فما معنى سماع هذه الكلمة؟ هل تعني أنْ تبقى هادئًا ومرْتاحًا ومُبْتَسِمًا؟ وأن تقول للذي نبَّهك وأنت مرتاح النَّفس، وبِهُدوء، أنا شاكر لك لِتَنبيهك وملاحظتك القيِّمة واللَّطيفة، ولا يسَعُني إلا أن أُعبِّر عن شُكري وامْتِناني، هل هذا الكلام يدلّ على سماعك لِما قال؟! والله إذًا ما فَقِهْت أنت من كلامه شيئًا، لو فقِهْتَ لقَفَزْتَ قفْزةً، وصرخْتَ صوتًا، هذا إن فقِهْتَ معنى كلمة عقرب، فالسَّماع الحقيقي ليس أن تصل هذه المَوجات إلى طَبْلة الأُذن، ولكنّ السماع الحقيقي أن تفهم هذا الكلام، وأن تَعِيَه و تتدبَّره، وأن تبحث فيه، وتقلِّب وُجوهه، أن تتبنَّى مضمون هذا الكلام، أن تنطلق إلى تطبيق فحواه، فإذا قال الطبيب للمريض دَع المِلْح كُلِيًًّا، وأنَّ المِلح يرفع الضَّغط، وارتفاع الضَّغط قد يُسبِّب انْفِجارًا بِبَعض شرايين الدِّماغ، ومعنى الانفِجار الشَّلَل، فإذا فَهِمْتَ كلام الطبيب فهمًا دقيقًا، وبيَّن لك أنَّك على خطر، فهل يُمكن أن تأكل المِلح بعد هذا التوجيه والتنبيه؟! مستحيل، ما معنى السَّماع؟ السَّماع هو التَّطبيق، قال تعالى:
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)
(سورة الأنفال)
فالذي قُلْتَ له: اِحْذَر على كتِفِكَ عَقْربٌ، وبقِيَ هادئًا مرتاحًا مبْتَسِمًا وشكَرَكَ شكرًا أدَبِيًًّا، ورقَّق العبارات وأثنى على ملاحظاتك اللطيفة، وقال: أنا لا يسعني إلا أن أُعبِّر عن شُكري وامتِناني لهذا الكلام الطيّب، فهذا والله ما سَمِع ما قلتَ له إطلاقًا، لأنَّه لو سَمِع لكان في شُغْلٍ عن شُكْرك، ولقفزَ مِن تَوِّه، وصرخ ونزع العقرب عن كتِفِهِ، هذا إن عرف معنى كلمة عقرب.
على الإنسان أن يتأمل فيما قرأ من القرآن الكريم:
لذلك قال تعالى: