لذلك بدءًا من الثلاثين وحتى الأربعين تكْتَمِلُ ملكاتُ الإنسان، وإدراكه وانْفِعالاته، ومحاكمته، وهذه كلُّها تكْتَمِل في تلك الفترة، فإذًا ما بين الثلاثين والأربعين أشُدُّ الإنسان، والعلماء قالوا: للإنسان خطّ بياني صاعد، وعند عامٍ معيَّن من الأعوام يقف الصُّعود، ويبدأ السَّير المستقيم، ثمّ يبدأ الخطّ بالهبوط والانحدار، إذ قد يصل إلى أرذل العمر، فالإنسان خطّه البياني صاعد، ومستقيم وهابط، ويبدو أنّ الصُّعود ينتهي في الثلاثين، ويستمرّ مستقيمًا إلى الأربعين، وبعد الأربعين يبدأ الهبوط التَّدريجي، فالإنسان إن ركب طائرةً، والمسافة بعيدة، فمن قبرص تبدأ الطائرة تهبط، تدريجيًًّا إلى مطار دمشق! هذا إذا كان السّفر طويلًا، فقبل ألف كيلو متر يبدأ الهبوط التدريجي، وكذلك الإنسان يكْتَمِلُ في الثلاثين ويستمرّ اكتِمالهُ حتى الأربعين، وبعد الأربعين يبدأ الهبوط التدريجي، ويشعر بِوَهنٍ في قِواه، ويضعف بصره، ويشيب شعره، وأحيانًا يشعر بميل إلى الراحة لم يكن يشعر به سابقًا، قال تعالى:
حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (15)
سِنُّ الأربعين هو النَّذير للإنسان:
الإنسان ليس له عذر بعد الأربعين، لذلك القرطبي في تفسيره يقول: سِنُّ الأربعين هو النَّذير، قال تعالى:
أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)
(سورة فاطر)
سِنُّ الأربعين هو النّذير، ما لك حجّة، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، قال تعالى:
حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ (15)
أوْزِعني أيْ ألْهِمني أن أشكر نعمتك، والنِّعَم لا تُعدُّ ولا تُحصى، والدليل هل تقول لإنسان: خُذ هذه الليرة وعُدَّها؟ فهذا كلام لا معنى له.