إذًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، شيء جميل جدًا، لا تحزن على ما فات، ولا تخشَ مما هو آت، أول ثمرة نفسية لمن قال: الله ربي، واستقام على أمر الله عز وجل، أنه لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ولكنّ الذي يحطم الناس، القلق والندم، القلق من المستقبل، والندم على الماضي، فهو يرى أن الشباب مضى وانتهى ولن يعود، كما يرى أن ليس هناك حياة غير الحياة الدنيا، إذًا حينما تمضي دنياه، أو يمضي معظمها، أو يبقى منها أمد يسير، فهذا يورث نفسه كآبة، ويقول لك طبيبه: إنه يعاني من مرض كآبة، وهذا المرض منتشر بأوربا بشكل مذهل، طبعًا هو لا يؤمن بآخرة فأعطى نفسه كل الشهوات حينما كان شابًا، فلما كبرت سنه، وضعف بصره، وانحنى ظهره، وشاب شعره، وأصبح على هامش الحياة، انفض عنه الناس، وتهرب منه أهله، فدخل بمرض الكآبة، الكآبة يعني شعور بالنهاية، شعور بالاضمحلال، لكنّ الإنسان إنْ آمن بالآخرة لم تعد هناك شيخوخة، بل شباب دائم، كلما ازداد علمًا ازداد رفعة عند الله، كلما ازداد علمًا ازداد مكانة، كلما ازداد علمًا ازداد تألقًا، كلما ازداد علمًا وعملًا ازداد سعادة، فلذلك مرض الكآبة هو محصلة القلق والندم، الندم على ما مضى، والقلق مما سيأتي، هذه المحصلة، هي الكآبة، والمؤمن معافى من هذا المرض ولا يعاني من كآبة.
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)
عطاء الدنيا محدود و عطاء الآخرة إلى أبد الآبدين: