إن الدنيا كلها تنطق بأسماء الله الحسنى، الكون كله يجسد أسماءه الحسنى، لكن الدار الآخرة تؤكد عدالته، تتم فيها تسوية الحسابات كلها، مرة قرأت مثلًا أعجبني: لو فرضنا أن أناسًا جلسوا في مسرح والمسرحية بدأت، فإذا الأحداث تطورت إلى أن وصلت إلى عقدة ثم أُرخِي الستار فلماذا يبقى الناس في مقاعدهم مع أن الستار أرخي؟ لأن الناس يعتقدون أن المسرحية لم تنته بعد، ما مصير القاتل؟ ما مصير هذا الذي خان؟ فالقصة لم تنته بعد، ونحن في الدنيا يأتي الموت والوقائع لم تنته، هناك ظالم، ومظلوم، ومغتصب، وقاهر، ومقهور، مستغِل ومستغَل، ولقد مات الاثنان، ثم لا بدّ من يوم تسوى فيه الأمور يعود الحق إلى أصحابه، يؤخذ للمظلوم من الظالم، للضعيف من القوي، للمغتصَب من المغتصِب، فلذلك الإيمان بالله واليوم الآخر هما الركيزتان الأساسيتان لأركان الإيمان.
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) }
إعراض الإنسان بنفسه عن رؤية الحق و صم أذنيه لسماعه:
عشا يعشو، طبعًا الفعل المضارع مجزوم بحذف حرف العلة والضمة دليل أن الحرف المحذوف هو الواو، أصل الفعل عشا، عشا لها معنى، وعَشِي يعشى لها معنى آخر عشي يعشى يعني لم ير بوضوح لضعف في بصره، هناك بصير وأعمى وأعور وأعشى، الأعشى ضعيف البصر، والأعور بعين واحدة، والبصير بصير، والأعمى أعمى، عشا يعشو لم ير حقيقة الشيء لضعف في بصره وهذا المعنى هنا غير مقصود، أما الفعل هنا فهو عشا يعشو، فما معنى عشا يعشو؟ أي أن الإنسان لم ير حقيقة الشيء لا لضعف في بصره ولكن لرغبة في ألا يرى، أي يتعامى، يتعاشى، يُعرِض بنفسه عن أن يرى ويتعامى عنها.