إنه كلام قطعي، والله عز وجل أكبر وأعظم من أن يظلمك، أو من أن يحرمك، أو من أن يعطي غيرك ولا يعطيك، أومن أن يكرم غيرك ولا يكرمك.
{بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) }
كلمة متعت: أي أطلت أعمارهم وأعطيتهم ما يشتهون، يعني فقد تجد إنسانًا باعه طويل في الدنيا، المال عنده موفور، وصحته قوية، ودخله كبير، وجاهه عريض، ولا ينقصه شيء من الدنيا وبهجتها، فهل هذا إكرام؟ هذه الدنيا لا علاقة لها بالإكرام إطلاقًا.
{فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا}
(سورة الفجر (
فلا هذا صحيح ولا هذا صحيح، ليس عطائي إكرامًا بل هو ابتلاء، وليس منعي حرمانًا بل هو دواء.
ملخص الملخص أن: حظوظ الدنيا درجات نرقى بها أو دركات نهوي بها، وهي حيادية، كل شيء أعطاك إياه بإمكانك أن ترقى به إلى الجنة، وبإمكان الإنسان الضّال أن يهوي به إلى جهنم، الشيء نفسه كالعقل يمكنك أن تصل به إلى الله، ويمكن أن تستخدمه في المكر والدسيسة والكذب والاحتيال، والمال كذلك، والصحة كذلك، والذكاء كذلك، وطلاقة اللسان كذلك، أي حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن تستخدمه لتكون في أعلى عليين، وأي حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن تستخدمه فتكون ـ لا سمح الله ـ في أسفل سافلين.
{بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ (29) }
ولقد جاء الحديث الشريف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( والله لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء. ) )
[الترمذي عن سهل بن سعد]
لا أعتقد أن هناك مخلوقًا أهون على الناس من بعوضة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقل بعوضة بل قال جناح بعوضة.