صاحب العلم المحدود بالنسبة لطبيعة النفس البشرية لا يمكن أن يكون مشرعًا للبشر، ولو أن الإنسان تعمق في العلم إلى حدّ ما لأن له نزوات وله سهرات وله مصالح وله سقطات، لا يمكن لبشر كائنًا من كان أن يكون مشرعًا، لأنه لا يعلم وإذا علم لا ينصف، حينما يشرع الإنسان يوجب التشريع لمصالحه الشخصية، ولا يحيط علمًا بخفايا النفس لدى من يشرع له، فلذلك الآية فيها معنيان دقيقان:
الأول أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الهدى لا يكون إلا من الله، فمن الذي ينبغي أن تعبده؟ هو الذي أوجدك من العدم.
{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) }
(سورة الإنسان (
من الذي ينبغي أن تعبده؟ هو الذي أمدك بما تحتاج، فهذا الهواء من الذي أمدك به؟ وهذا الماء من أمدك به؟ لو أن السماء شحت ويبس النبات ومات الحيوان ماذا نفعل ببلادنا؟ نهجرها، لو أن السماء شحت هل تستطيع قوى الأرض مجتمعةً أن تصدر قرارًا بإنزال المطر؟ لا، وهذه حقيقة بين أيدينا جميعًا، إذًا من الذي ينبغي أن يعبد؟ هو الذي خلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي يربي، وهو الذي بيده كل شيء، وهو الذي إليه المصير، هذا الذي ينبغي أن تعبده، ومن هذا الذي يقدر على أن يهديك؟ هو الخالق، أي بمعنى مبسط جدًا؛ أيُّ آلة بين يديك بالبديهة وبالفطرة ومن دون تعقيدات تشعر أن الجهة التي يمكن أن تزودك بالتعليمات لتشغيلها هي الجهة الصانعة وحدها، وأنت لا تقبل أساسًا أن تأخذ التوجيهات من غير صانع هذه الآلة، فكم من آلة معقدة، فأول شيء يتبادر له أن يطلب التعليمات، فإن كانت مثلًا باللغة الأجنبية قام وكيل هذه الشركة بترجمة التعليمات بلغتك ليسهل عليك استخدامها، فإذًا أنت بالفطرة حريص على سلامة آلة، أفلا تكون حريصًا على سلامتك، وسعادتك، وآخرتك، فإن كنت حريصًا على كل ذلك، فلن تسلم، ولن تسعد إلا بتطبيق تعليمات الصانع، لذلك: