هذا افتراء آخر، فأول افتراء أن جعلوا لله من عباده جزءًا، الافتراء الثاني جعلوا هذا الجزء بنتًا، والافتراء الثالث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ليس بين الملائكة ذكورًا وإناثًا، والملائكة ليسوا كالبشر يتوالدون، فالتوالد يقتضي أن يكون هناك ذكر وأنثى، والملائكة صنف ثالث من الخلق، فهم مخلوقات نورانية لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ (19) }
ومن ثم فهل رأيت أنت أنهم إناث، وحينما خلقهم الله فهل كنت مع الله عز وجل تخلق، أو تشاهد عملية الخلق؟
{أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) }
لقد سجل الله عليهم مقالتهم هذه، وسيسألون عنها.
{وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) }
ولقد تكررت مقولتهم هذه في القرآن الكريم مرات عديدة.
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) }
(سورة الأنعام (
في الآية إشارة لعقيدة الجبر بأن تعتقد أن الله أجبرك على المعصية أو على الكفر وهذه عقيدة ضالة مضلة، هذه العقيدة تلغي التكليف، تلغي الأمانة ...:
{إنا عرضنا الأمانة (72) }
(سورة الأحزاب 72)
تلغي الثواب، تلغي العقاب، تلغي المسؤولية، تلغي الجنة والنار، تلغي جدوى نزول الكتب السماوية، تلغي جدوى إرسال الأنبياء، والمرسلين، تجعل الدين تمثيلية عابثة، فلذلك قال تعالى مخبرًا عنهم: