الإنسان حينما ينتقل فجأة من بيت صغير إلى بيت واسع في حي بمقياس الناس راقٍ يشعر بنشوة ليومين أو ثلاثة أو عشرة، لكن بعد شهر أو شهرين يكون قد ألف البيت الجديد، وألِف مساحته الواسعة وألِف مرافقه الجيدة، هذه النقلة النوعية معها فورة هذه الفورة بعد الانتقال المفاجئ من شيء إلى شيء، أمرٌ طبيعي جدًا، وبعد حين يألف الإنسان أحوال أهل الإيمان، هذا ما قاله الصديق عليه رضوان الله قال: بكينا حتى جفت مآقينا.
النقلة المفاجئة من الكفر إلى الإيمان، من التفلت إلى الاستقامة، من الضياع إلى الهدى، هذه النقلة المفاجئة مسعدة جدًا، لكن من الطبيعي جدًا أن هذه النقلة ستتضاءل النشوة التي رافقتها، لأنها أصبحت مألوفة، فمثلًا قد يشتري شخص مركبة، ولفرحته لا ينام تلك الليلة، ويتجول في الشوارع إلى ساعة متأخرة من الليل فرحًا بها، لكن بعد سنتين لا يركبها إلا عند الضرورة، معنى أن الشيء إذا وجد يؤلف.
إذا أحد شك أن أحواله في مسيرة الإيمان قد ضعفت فتفسير ذلك وتعليله أنه ألف ما هو فيه، واعتاده، والدليل لو أن واحدًا يشكو من ضعف أحواله ألمّ بمعصية أو مخالفة فإنه يشعر وكأنه قد سقط من السماء إلى الأرض، إذًا حينما كان يشكو ضعف أحواله كان على اتصال بالله عز وجل، والدليل طمأنينته، والدليل سعادته، لكن هذه السعادة ألفها فظنها تراجعًا، أقول: إنها ليست تراجعًا.