والله أيها الأخوة كان بإمكانه أن يلغي وجود قريش كلِّها، وهم عرفوا أنهم تحت رحمة كلمةٍ تخرج من فمه، قال:"ما تظنُّون أني فاعلٌ بكم؟". قالوا:"أخٌ كريم وابن أخٍ كريم". قال:"اذهبوا فأنتم الطلقاء". فعندما دخل مكَّة فاتحًا قال كتَّاب السيرة: كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعًا لله عزَّ وجل. وأبو سفيان عندما رأى منه هذا الموقف قال له:"يا بن أخي ما أرحمك، وما أكرمك، وما أوصلك، وما أحلمك". فهذا هو الإسلام، الإسلام كله خُلُق.
الإنسان الذي يعفو عن غيره يزداد تألقًا عند الناس و عند الله:
لذلك أيها الأخوة ..
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) }
فالذي يعفو عن أخيه يصلحه، ويأخذ بيده، وينهضه، ويعينه على الشيطان؛ والذي ينتقم من أخيه يسحقه، ويفضحه، ويعين الشيطان عليه، فإذا عفوت عن أخيك أصلحت نفسك وانتصرت على شهوة الانتقام، ولذلك فالإنسان الذي يعفو يزداد تألُّقًا عند الناس وعند الله، وبالمناسبة فبعض العلماء قالوا: لا يكون العفو عفوًا إلا عن إنسان بالغ في الإساءة إليك ثم أصبح في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه فعفوت عنه. أما الذي يقول: أنا عفوت عنه. وهو أقوى منك هذا كلام فارغ، ولذلك العفو عند المقدرة فقط أما إن لم تكن قادرًا عليه فاصبر أو لا تصبر فهذا هو الواقع.
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) }
أي إذا أردت أن تأخذ حقَّك يجب أن تأخذ الحق فقط دون أن تزيد عليه، أما سأكيل له الصاع صاعين. فهذه لا آية ولا حديث وهذا كلام شيطاني، فإذا أردت أن تكيل له الصاع كِل صاعًا بصاع ..
{وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ (41) }
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (40) }
لو أراد أحدهم أن يأخذ حقَّه، قال:
{فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) }