ولا أنسى كلمة قالها سيدنا عمر حينما كانت غزوة نهاوند، وكان عدد المسلمين يقلُّ عن الثلاثين ألفًا، وكان عدد جيش الكُفْرِ يزيد عن مئة وثلاثين ألفًا، وكان من قلق هذا الخليفة العظيم على جنوده المسلمين أنه أمضى وقتًا طويلًا يمشي في أسواق المدينة دون أن يجرؤ أحدٌ على أن يكلِّمه من شدة قلقه، ثمَّ جاء رسولٌ من معركة نهاوند، وسأله عمر رضي الله عنه عن واقع المسلمين فقال:"مات فلان وفلان واستشهد فلان وفلان وفلان". وذكر له أسماء الذين يعرفهم قال:"ومن أيضًا؟"قال:"وهناك أناس لا تعرفهم بالاسم قد استشهدوا". فما كان من هذا الخليفة الراشد إلا أن قال قولًا:"وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم".
فلذلك أيها الأخوة مجتمع المؤمنين لا يقوم على الدنيا؛ ولا على المال، والترف، والمتع، لا، إنه يقوم على المبادئ، وعلى أن الدنيا دار عمل وأن الآخرة دار جزاء، والدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، وأن هذه الحياة هي حياةٌ دنيا، وأحيانًا ننسى معنى الكلمة، حياةٌ دنيا وأن الإنسان مخلوقٌ لحياةٍ عُليا ..
(( إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد ) )
[من الجامع الصغير: عن"سهل بن سعد"]
لذلك نحن الآن مع آيات تصف خصائص المؤمنين، فمجتمع مؤمن ما خصائصه؟ يقول لك: مجتمع الكفاية والعدل أو مجتمع القانون لا المحسوبيات ومجتمع تكافؤ الفرص مثلًا، والعدل وهذه كلمات حديثة، والآن إذا عُدنا إلى كتاب الله فما الأوصاف التي وصف بها جماعة المؤمنين؟ مجتمع مؤمن، أليس لهذا المجتمع خصائص تميِّزه عن بقية المجتمعات؟ الآن مجتمع المؤمنين مجتمع فيه صدق، ووفاء، وأمانة، وإخلاص، وليس فيه غش، ولا حسد، ولا غيبة، ولا نميمة، بل فيه تعاون، وتكاتف، وحُب، وإخلاص، وتناصح، وتلاقٍ، وتزاور، ومؤاثرة.