إخواننا الكرام، الإنسان أحيانًا في شبابه يكون قويًا شديدًا عتيدًا يتفلسف على الله عزَّ وجل ويطرح طروحات وينتقد فيقول: لست مقتنعًا بهذا الأمر ولست مقتنعًا بهذا الحكم وهذا التفسير غير مقبول. ولكن كلَّما تقدَّمت به السن، ورأى أنه لابدَّ من أن يغادر الدنيا، وماذا بعد الموت؟ أنا أعرف عشرات الأشخاص، بل مئات في بداية حياتهم كانوا ملحدين، فلمَّا تجاوزوا الأربعين بدؤوا بالصلاة، فهذا الخيار خيار وقت.
دقِّقوا في هذا الكلام أيها الأخوة: فأنت أحيانًا تخيَّر خيار قبول أو رفض. أتشتري هذا البيت؟ تقول: نعم أو لا، أتسافر إلى هذا البلد؟ تقول: نعم أو لا، أنت حينما تتخيَّر أن تسافر أو أن تشتري فأنت أمام خيار قبول أو رفض، إلا أن خيار الإيمان ليس خيار قبول أو رفض أبدًا فخيار الإيمان خيار وقت، أي إن لم تؤمن وأنت في رَيْعان الشباب لابدَّ من أن تؤمن وأنت في خريف العمر، ولكن والله الذي لا إله إلا هو شتَّان (والكلام لإخواننا الشباب موجَّه) شتَّان بين من ينشأ في طاعة الله وبين من يأتي إلى ربه وقد انحنى ظهره، وشاب شعره، وضعف بصره فهو جيِّد لا بأس.
شتَّان بين من ينشأ في طاعة الله وبين من يأتي إلى ربه وقد انحنى ظهره:
أي أن خيار الإنسان في الإيمان ليس خيار قبولٍ أو رفض والدليل من هو أكفر كفَّار الأرض الذي قال صراحةً، وبأعلى صوته: {أنا ربكم الأعلى} فرعون ولكن ماذا قال حينما أدركه الغرق؟ قال:
{آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}
(سورة يونس: من آية"90")
ومعنى هذا أنه آمن، لكن متى آمن؟ بعد فوات الأوان عندما مات، فلا يوجد إنسان مخيَّر بالإيمان إلا خيار وقت فقط، خيار الإنسان بالإيمان ليس خيار قبول أو رفض، لأن ربنا عزَّ وجل قال يوم القيامة:
{فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) }
(سورة ق)