أما الشيء الصلب فتقول: هذه قطعة مكعبة، وهذه قطعة هرمية، وهذه كرة، فالشيء الصلب يحافظ على حجمه وعلى شكله، والشيء المائع يحافظ على حجمه لا على شكله، لكن العنصر الغازي ليس له شكلٌ ثابت ولا حجمٌ ثابت.
فكيف إذا أصبح الدين غازيَّ الطبيعة، غازًا له آلاف الأشكال، و آلاف الحجوم، فالدين شيء ثابت عُلِم بالضرورة، والعقائد والعبادات، والتعاملات والأخلاقيَّات كلها ثابتة، فهذا هو الدين، فبقيت صور الدين أما المضمون فمائع أو غازي، بمعنى هذه الإذابة لمعالم الدين في معالم الدُنيا جعلت الأمور تختلف.
إذًا من قوله تعالى:
{ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ (22) }
لن تكون مؤمنًا عند الله عزَّ وجل إلا إذا رأيت الفضل الكبير هو أن تستحق الجنة وما فيها من نعيمٍ مقيم، فلذلك الدعاء الشريف:
(( اللهم نسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ وعمل ) )
[إسناد صحيح قال فيه ابن حجر: تابعه الجُريري، عن جبر، وخالفه أبو نعامة عنه]
والإمام علي كرم الله وجهه يقول في حكمةٍ بالغة:"ما خيرٌ بعده النار بخير". أي لو بلغت إلى أعلى القمم، وبعد هذا النار فليس هذا خيرًا"ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنة بشر"، وكل أنواع المصائب و المضايقات، إذا انتهت بك إلى الجنة فانعم بها، وكل أنواع النعيم المقيم إذا انتهت بالإنسان إلى النار فبئس هذه الألوان التي يسعى الناس إليها ولا يدرون إلى أين هم سائرون.
والإنسان إذا كان راكبًا مركبة ومنطلقًا بأعلى سرعة في منحدر شديد، وفي نهاية هذا الطريق منعطفٌ حاد، وهو في نشوة السرعة، ونشوة الهواء العليل، ثم اكتشف فجأةً أن المكابح معطَّلة، فماذا يرى بهذه السرعة أو هذا الانطلاق؟ يراه هلاكًا له، وهكذا معنى قوله تعالى:
{كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ (6) }
(سورة التكاثر)